مونديال 2026.. فلسطين الحاضر الأكبر رغم الترهيب وبلطجة التأشيرة


جماهير تجسد علم فلسطين بالأجساد و”اليانا” تشعل الضمائر والمدرجات بزغرودة وإطلالة تراثية
تقرير – نائل موسى
رغم الإجراءات التعسفية التي فرضتها الادارتان الامريكية والكندية الرامية الى تغييبها عن الحدث العالمي الكبير والأكثر مشاهدة، وخروج الفدائي من التصفيات المؤهلة، حضرت فلسطين بقوة في مونديال 2026 الذي تستضيف فعالياته الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك عبر موجه عارمة من التضامن الدولي.
وشهدت حفلات افتتاح الحدث الرياضي الضخم الذي ينظم كل أربع سنوات ويحظى بمتابعة مئات الملايين مظاهر دعم وتضامن مع فلسطين وقضيتها العادلة متعددة الاشكال واخرى مناهضة للاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، معيده الى الاذهان احداث النسخة السابقة في قطر.
وتشارك 8 منتخبات عربية، ضمن 48 منتخباً، ستلعب في 104 مباريات، تستضيف الولايات المتحدة 78 منها، مقابل 13 للمكسيك و13 لكندا، بدأت في 11 حزيران/ يونيو الجاري وتتواصل حتى 19 تموز/ يوليو.
والمونديال الحالي، هو الأول بعد الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، والحرب العدوانية التدميرية التي تشنّها حكومة الاحتلال على لبنان للمرة الثانية في عامين. وعلى اليمن وسوريا وإيران بمشاركة ودعم امريكي، حيث ستحرم الأغلبية الكبيرة من شعوبها من الاستمتاع بالمباريات.
وفيما تحضر احرار العالم لإعلاء صوت فلسطين وايصال رسالتها، تعرض أنصارها في البطولة، إلى حالة ترهيب يتعرّض لها أبطال اللعبة، بدأ بعد الهجوم الكبير على نجم نادي برشلونة لأمين جمال بسبب رفعه علم فلسطين خلال مشاركته باحتفالات فريقه بعد إحراز بطولة الدوري الإسباني الشهر الماضي.
وامتد الترهيب الاسرائيلي إلى ساحات البطولة العالمية، كما منعت الولايات المتحدة وكندا لاعبين وكوادر فنية وتحكيمية من دخول أراضيها، ومنعت رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم الفريق جبريل الرجوب من الدخول رغم تلقيه دعوة للحضور.
واكد الرجوب أنه لم يحصل على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة وكندا لحضور فعاليات المونديال لكنه حضر حفل الافتتاح الرسمي للبطولة في مكسيكو سيتي واصفا التصرف بالسخيف.
وفي أبريل الماضي، شارك الرجوب في مؤتمر الفيفا في فانكوفر بكندا، حيث رفض التقاط صورة جماعية مع مسؤول من الاتحاد الإسرائيلي ما يشير الى اجراء انتقامي.
كما قدم الاتحاد الفلسطيني طعن أمام محكمة التحكيم الرياضية تاس ضد رفض الفيفا فرض عقوبات على إسرائيل، على خلفية مشاركة أندية تقع في الضفة بمسابقات تشرف عليها الفيفا.
واعتبر الرجوب “استخدام الحق في منع لاعبي كرة القدم من الحضور، أو إساءة استخدامه، أمر لا يمت للعدالة بصلة”.
وجرت عادة (فيفا) على دعوة رؤساء الاتحادات الأعضاء في مسعى يصفه الاتحاد بكونه تجسيداً لقيم الوحدة العالمية. وقطع إنفانتينو، وعوداً بأن “الجميع سيكون موضع ترحيب في كندا والمكسيك والولايات المتحدة خلال كأس العالم”؟!
وسبقت البلطجة الجديدة، إجراءات تقييدية فرضتها واشنطن تجاه حاملي جوازات السفر الفلسطينية، والسلطة الوطنية، بلغت حد إلغاء تأشيرة الرئيس محمود عباس للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، وهي إجراءات اخفقت في اخماد شعلة التضامن مع فلسطين.
وشهد افتُتاح مونديال 2026 فعّاليات احتفالية كبيرة في ملعب «مكسيكو سيتي» (أزتيكا) في المكسيك قبل المباراة الافتتاحية وفي ملعب «بي إم أو فيلد» في ورونتو، وفي ملعب «صوفي» في لوس أنجلوس، فعاليات دعم لفلسطين شاهدها وتفاعل معها العالم. مذكرة بالبطولة في نسختها القطرية سنة 2022، حيث حضرت فلسطين بقوة بدءاً بحفل الافتتاح الذي قدّم فيه المغنّون النشيد الفلسطيني ضمن أناشيد الدول العربية الأخرى، والجمهور الذي ظل يرفع علم فلسطين في الشوارع والمقاطعة الكاملة لوسائل الإعلام الإسرائيلية التي جرّبت أن تغطّي لمونديال وتحدث اختراق تطبيعي بخلاف الرأي العام للجمهور العربي بخصوص فلسطين وقضيتها، فالجميع أكّد أن لا شيء منفصلٌ عن السياسة ما دامت القضية قضية حق، وقضية شعب حقّه مُستلب.
وتنطلق البطولة الأطول منذ أن بدأت سنة 1930، فيما الرياضة والشعب الفلسطيني يتعرض لتدمير اجرامي ممنهج طال الملاعب والصالات الرياضية والأندية، تمثل ب تدمير265 منشأة رياضية تدميراً جزئياً أو كلياً في قطاع غزة الذي استشهد المئات من أبطاله في الرياضات المختلفة. اذ قتل الاحتلال 1007 رياضيين، فيما 18 ً من لاعبي ولاعبات منتخب كرة القدم في الضفة يعتقلهم الاحتلال
ويواصل المشجعون إظهار تضامنهم، والتعبير عن معارضتهم للحروب في المنطقة حيث تفرض القضية الفلسطينية حضورها بقوة في المدرجات والشوارع، بالأعلام وهتافات رسمت مشهد تضامني عابر للقارات، بدءاً من الجماهير العربية وصولاً إلى المشجعين الأجانب في مدن البطولة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وتعود مظاهر التضامن الى سنة 1982، حيث أقيمت بطولة كأس العالم في إسبانيا، وفاز منتخبَ إيطاليا على ألمانيا الغربية وحمل الرئيس الإيطالي آنذاك ساندرو بيرتيني بالتنسيق مع الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، الكأس معه إلى بيروت خلال زيارة قام بها عقب مجزرة صبرا وشاتيلا، لإظهار التضامن مع اللاجئين الفلسطينيين والناجين من المجزرة، علماً أن لاعبي المنتخب الإيطالي أظهروا تعاطفاً مع الفلسطينيين المحاصرين في بيروت، واستقبلوا بعد التتويج بالأعلام الفلسطينية.
وتجلت أبرز مظاهر الدعم العالمي بحضور جماهيري وشعبي ملأت حشوده من مختلف الجنسيات المدرجات والشوارع المحيطة بالاستادات بالهتافات والأعلام الفلسطينية، تأكيداً على التضامن العالمي، في تحركات جماهيرية واسعة اكدت نجاح المشجعين في إيصال صوت الشعب الفلسطيني إلى منصة الحدث الأكبر عالمياً.
وفيما أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قانونية رفع العلم الفلسطيني في المدرجات بجميع الملاعب، باعتبار فلسطين عضواً رسمياً في المنظومة، قال أنس إبراهيم المنسق العام لحملة قاطع العالمية، ضرورة تحويل المونديال إلى ساحة دولية لإبراز التضامن مع الشعب الفلسطيني مخاطبا الجماهير بالقول: ارفعوا صوت فلسطين ولا تتركوا غزة منسية.
و”قاطع” العالمية حركة شعبية ودعوة دولية للاستغناء عن المنتجات الإسرائيلية والشركات الداعمة لها، تسعى للضغط من أجل إنهاء الاحتلال ودعم حقوق الشعب الفلسطيني.
ففي اول أيام المونديال شكلت جموع غفيرة بأجسادها علم فلسطين في شوارع مكيسكو سيتي بهدف إبقاء القضية الفلسطينية حية وحاضرة في قلوب وعقول الجماهير عبر أكبر الاحداث العالمية مشاهدة.
وظهر أحد قارعي الطبول بالكوفية الفلسطينية خلال العرض الموسيقي بافتتاح الحدث العالمي الأكبر في الولايات المتحدة حيث اثار المشهد تفاعلا واسعا واعتبرت لفته إنسانية جميلة.
ورفعت الجماهير المغربية علم فلسطين في قلب ساحة تايم سكوير وصدحت بهتافات لفلسطين قبيل مباراة منتخبها مع البرازيل
كما وثقت مقاطع الفيديو مشجعين من البرازيل يرتدون الأعلام ويرفعون شعارات تؤكد على تضامنهم مع الحقوق الفلسطينية
وهتف المنتخب البوسني لفلسطين قبيل مباراة ضد منتخب كندا في مشهد اعتبر انه يحمل معنى خاصا نظر للمعاناة المشتركة من القتل والابادة والتهجير
وشهدت مدينة تورونتو، تحرّكات احتجاجية لافتة تزامنًا مع انطلاق منافسات حيث رفع مشجّعو منتخب البوسنة والهرسك شعارات التضامن مع الشعب الفلسطيني خلال مسيرتهم الجماهيرية في شوارع المدينة.
وخلال الزحف الجماهيري الذي نظّمته رابطة المُشجّعين البوسنيين “بي إتش فاناتيكوس” نحو ملعب “بي أم أو فيلد”، تحوّلت الهتافات الرياضية إلى تضامن سياسي وإنساني، وهزّ المُشجّعون شوارع تورونتو بهتافات مدوية: “فلسطين.. فلسطين”.
ونشر ناشطون في مدينة تورونتو لافتة كبيرة تُطالب بـ”طرد إسرائيل من الفيفا” فوق شعار الاتحاد الدولي لكرة القدم على شارع ليكشور بوليفار، أحد أكثر الشوارع ازدحامًا في المدينة.
وغطّى الناشطون اللافتة الرسمية للفيفا بلافتتهم الاحتجاجية، لإيصال رسالة إلى قيادة الاتحاد في خضم الاهتمام العالمي بالبطولة.
وقال أحد الناشطين في تصريحات لوسائل إعلام محلية إنّ الهدف هو لفت الانتباه إلى “التواطؤ المؤسسي” للمنظّمات المنظِّمة للبطولة، وأنّ الفيفا يؤدي دورًا في تطبيع الاحتلال من خلال “غسيل صورة إسرائيل رياضيًا”.
ووجّه الناشطون اتهامات لـ “الفيفا” بانتهاك دستوره الخاص الذي يحظر على الدول إقامة مباريات على أراض محتلة من دون إذن، مُطالبين بإخراج الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم من منظومة الفيفا.
وقال الناشطون إنّهم يريدون لفت الانتباه إلى لاعبة كرة القدم الفلسطينية ناتالي أبو دية (20 عامًا)، والتي اعتقلتها إسرائيل في الأسبوع الذي سبق كأس العالم، وإلى الدكتور حسام أبو صفية الذي اختطفته عام 2024 وما زال محتجزًا.
وشهدت مدينة تورونتو الكندية، تحركات احتجاجية لافتة تزامناً مع انطلاق المنافسات بعدما رفع نشطاء لافتة حمراء ضخمة قرب طرق رئيسية في المدينة،
واختار المحتجون موقعاً بارزاً يطل على أحد أكثر الطرق ازدحاماً في المدينة لضمان وصول رسالتهم إلى الجماهير والمتابعين وسط شعارات داعمة لفلسطين ورسائل موجهة للاتحاد الدولي
وارتدى المشاركون في الاحتجاج قمصاناً تحمل شعارات داعمة للقضية الفلسطينية، وكشفوا عن لافتة كبيرة تدعو لاستبعاد إسرائيل من عضوية الاتحاد، وكانت اللافتة واضحة للمشجعين المتوجهين الى ملعب تورونتو، ما أضفى على المشهد بعداً سياسياً تزامن مع الحدث الرياضي العالمي.
ووجه فيصل إبراهيم، المتحدث باسم المجموعة المنظمة للاحتجاجات، انتقادات حادة للاتحاد الدولي لكرة القدم، متهماً إياه بالتغاضي عن ممارسات مخالفة للقوانين واللوائح الدولية. عندما رفض اتخاذ إجراءات بحق الأندية الإسرائيلية التي أثار الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم اعتراضات بشأن مشاركتها في المنافسات. رغم تتزايد الدعوات من جهات حقوقية وشخصيات دولية لمراجعة مشاركة إسرائيل.
ودعا خبراء من الأمم المتحدة إلى دراسة إمكانية تعليق مشاركة إسرائيل في البطولات الدولية لكرة القدم، مطالبين المؤسسات الرياضية بمناقشة هذه المطالب في ضوء التطورات السياسية والإنسانية الجارية.
وتؤكد الاحتجاجات التي شهدتها تورونتو أن كأس العالم لا يظل بمنأى عن القضايا السياسية والإنسانية الكبرى، إذ باتت الملاعب والفعاليات الرياضية العالمية منصة تستغلها مجموعات مختلفة لإيصال رسائلها إلى الرأي العام الدولي.
وفي هذا الصدد، اعتبر متابعون مشاركة المغنية الفلسطينية – التشيلية اليانا الوجه الأبرز للحضور الفلسطيني بالافتتاح بعد ان قدّمت إلى جانب المغنّية الكندية جيسي رييز أغنية “Illuminate”، إحدى الأغنيات الرسمية المصاحبة للبطولة.
وظهرت ابنة مدينة الناصرة بالكوفية وزي مزين بتطريز فلسطيني، مختتمة اغنيتها بزغرودة اشعلت الملعب في إشارة الى جذورها الفلسطينية، بعدما أكّدت في تصريحات سابقة حرصها على تمثيل هويتها وثقافتها في أعمالها وإطلالاتها الفنية.
وإليانا، البالغة 24 عامًا، الفنانة الوحيدة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المشاركة في الألبوم الغنائي الرسمي لمونديال 2026، كما سبق أن صنعت التاريخ عام 2023، عندما أصبحت أول فنانة تقدّم عرضًا كاملًا باللغة العربية في مهرجان “كوتشيلا” الأميركي.
ونجحت إليانا في اثارت تفاعلاً جماهيرياً وإعلامياً واسعاً بإطلالتها في الحفل، واعتبر جمهورها هذا الحضور الفني العالمي لفتة إنسانية وثقافية جميلة لدعم القضية الفلسطينية وإبراز التراث العربي على أكبر المسارح الدولية
فقد خطفت الأنظار، بإطلالة استوحت تفاصيلها من التراث الفلسطيني. مزجت بين الإرث الثقافي الهوية الفلسطينية والطابع العصري.
وعُرفت إليانا بمبادراتها المستمرة، ومنها المبادرات الإنسانية الداعمة لبرنامج الأغذية العالمي لإغاثة العائلات في غزة، وتصدر اسمها كأول فنانة عربية تنضم للألبوم الرسمي لكأس العالم. وتغني بالعربية في برامج عالمية شهيرة.
اختارت إليانا إطلالة بيضاء مستوحاة من التراث الفلسطيني أعادت من خلالها تقديم عناصر تقليدية بأسلوب مسرحي وعصري. تألف من توب أبيض مزين بتطريزات ملونة وتفاصيل لافتة استحضرت الحرفية الشرقية كما برزت الكوفية المربوطة عند الخصر، لتمنح التصميم بعداً رمزياً يعكس ارتباطها بجذورها وهويتها الثقافية، في رسالة تجاوزت حدود الموضة وعكست ارتباط إليانا بجذورها الفلسطينية واعتزازها بهويتها الثقافية. هوية وقف لها العالم في أكبر فعالياته وأكثرها شعبية ومتابعة.