صفقة تبادل المصالح على ركام المبادئ وتغييب فلسطين


بقلم: د. فريد اسماعيل
“صفقة تبادل المصالح ” ربما يكون العنوان الانسب للتفاهمات الأمريكية الإيرانية باعتبار التفاهم صفقة مؤقتة تؤمن مخرجا مناسبا للطرفين من التصعيد الأخير وليس اتفاقا استراتيجيا، إذ سعى كل طرف لتحقيق مكاسب آنية دون التزامات بعيدة المدى. فمعظم الأهداف التي كان حددها الرئيس ترمب كالبرنامج الصاروخي الايراني والاذرع في المنطقة والقمع في الداخل تم وضعها في الدرج. وأزمة البرنامج النووي الايراني تم ترحيلها إلى مفاوضات الستون يوما ما بعد التوقيع على التفاهم مع التذكير فقط بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وأصبح الهدف الامريكي فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحا على حرية الملاحة قبل التصعيد، أما الهدف الايراني فيتمثل في رفع العقوبات وتحرير الأموال، وبذلك لا يمكن تسمية ما يحصل “اتفاقا ” وإنما صفقة في إطار إدارة الأزمة. وهناك عدة عوامل تدفع الولايات المتحدة إلى هذه الصفقة، فبالإضافة إلى شخصية ترمب النرجسية، تواجه واشنطن ضغوطا متعددة (الصين أوكرانيا) وتحتاج إلى تهدئة مع إيران وتجنب فتح جبهة جديدة تطول إلى مدى غير محسوب. كذلك فإنها بحاجة لحماية أمن الطاقة وسلاسل الإمداد بضمان الملاحة في مضيق هرمز لحماية الاقتصاد العالمي ومنع ارتفاع أسعار النفط. يضاف الى كل ذلك الانتخابات والسياسة الداخلية، فأي تصعيد مع إيران قد ينعكس سلبا على الداخل الامريكي، بينما التفاهم يمنح الادارة فرصة لعرض انجاز دبلوماسي لترمب.
من الجانب الايراني فإن هكذا صفقة من شأنها تخفيف العقوبات، ما يفتح الباب أمام تقليص الضغط الاقتصادي كما يمنحها الفرصة لإعادة ترميم نفوذها في المنطقة عبر الوكلاء، سيما وأنها استطاعت فرض بند في التفاهم يقضي بوقف لإطلاق النار على كافة الجبهات بما فيها لبنان. كذلك يمنح التفاهم إيران صورة أكثر اعتدالا أمام المجتمع الدولي ويعزز من شرعية نظامها.
وبذلك فهي صفقة تكتيكية، دون ضمانات أو آليات طويلة الأمد تلزم إيران بوقف تدخلاتها أو برنامجها النووي، كما أن أي خرق من جانب إيران أو تغير في أولويات واشنطن قد يعطل أو انهيار صفقة إدارة الأزمة. التي يعتمد مستقبلها على قدرة الطرفين على تحويلها من تفاهم تكتيكي إلى اتفاق استراتيجي مستدام، وهو امر مشروط بالتزام إيران بوقف التدخلات واحترام حرية الملاحة، واستعداد واشنطن لإعطاء الخليج دورا أكبر في صياغة منظومة الأمن الاقليمي.
أما إسرائيل فترى أن هذا التفاهم يخفف الضغط على إيران ويمنحها مساحة أكبر لتعزيز نفوذها الاقليمي. ويبدو أن الخلاف بين الرؤيتين الأمريكية والإسرائيلية لم يعد شكليا لأن أولويات الأمن القومي مختلفة فإسرائيل تركز على التهديد المباشر وتعتبر أن الضغط المستمر هو السبيل الوحيد لكبح إيران، بينما الولايات المتحدة توازن بين ملفات عالمية متعددة وتبحث عن إدارة التوتر مع طهران لتجنب حرب واسعة، وهنا يميل محللين إلى اعتبار هذا الخلاف مجرد توزيع للأدوار يتيح لكل طرف الحفاظ على صورته أمام جمهوره وحلفاءه، لأن طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تجعل من الصعب الفصل التام بين الاستراتيجية والتكتيك، فالخلاف بنظرهم يحمل عنصرين معا: جزء منه حقيقي، وجزء منه إدارة أدوار محسوبة. فلطالما كانت إسرائيل تظهر القوة والعناد ميدانيا كما في حرب العام ٢٠٠٦ على لبنان وكذلك في ملف الاستيطان في الضفة، بينما الولايات المتحدة تضبط الايقاع دوليا.
لكن رغم كل هذه الرؤى، هنالك قلقا إسرائيليا حقيقيا من أن تلزمها الصفقة بوقف عملياتها في جنوب لبنان أو حتى الانسحاب، وهو ما تعتبره مساسا بحقها في الدفاع عن النفس ويمنح إيران وحلفاؤها في لبنان فرصة لإعادة التموضع. فقد حذر عدد من المسؤولين الإسرائيليين من أن الاتفاق لا يعالج برنامج الصواريخ البالستية، ولا يضع حدا لعلاقات إيران مع حزب الله، مما يهدد بتآكل الردع الإسرائيلي. وقد كان نتنياهو أكد بأن الاتفاق هو قرار “امريكي” وأن لإسرائيل مصالحها الخاصة، مشددا على الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري.
أما الخليج العربي، ومع دعمه لصفقة التفاهم، فإنه يقف بين الحذر والأمل متأرجحا بين الاستفادة من الاستقرار والمخاوف من تعقيدات مفاوضات ما بعد التفاهم وانعكاساتها على المنطقة. فدول الخليج ترى أن الصفقة تتيح امكانية حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ما يعزز أمن التجارة العالمية ويخدم مصالح اقتصادية مباشرة، إذ أنها تعتبر أن الاستقرار هو المدخل الأساسي للتركيز على التنمية الاقتصادية والرفاهية بعيدا عن الحروب، كما أن مساهمة بعض دول الخليج في انجاح المسار الدبلوماسي يعزز مكانتها كقوة اقليمية قادرة على الوساطة وحماية مصالحها، إضافة إلى أن الصفقة يمكن أن تشكل فرصة لتقليل الاعتماد على القوى الخارجية وبناء منظومة تعاون اقليمي. إلا أن ذاكرة الحرب والهجمات التي تعرضت لها ساهمت في اضعاف ثقتها بايران ورفعت منسوب الحذر من أي تفاهم معها ومن مدى التزام إيران بعدم التدخل في شؤون دولهم.
لذلك تلجأ دول الخليج إلى إدارة المخاطر عبر المرونة السياسية بالحفاظ على موقف متوازن: الترحيب بالتفاهم مع الحذر من الانجرار وراء وعود غير مضمونة، وإبقاء قنوات اتصالات مفتوحة مع جميع الأطراف لتجنيب دولهم أي انعكاسات سلبية ، ولا بد لها من إنشاء آلية خليجية مشتركة لمتابعة تنفيذ أي تفاهمات أمنية أو اقتصادية مرتبطة بالملاحة والطاقة، وعدم الاكتفاء بالضمانات الأمريكية واشراك قوى أخرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين في منظومة الأمن الاقليمي، إذ من شأن هذا التنويع أن يقلل من المخاطر ويمنح هذه الدول اوراق ضغط إضافية. كذلك فإن الدروس المستقاة من هذه الحروب يجب أن تدفع هذه الدول إلى تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية من خلال تطوير التعاون العسكري الخليجي المشترك مع تعدد المصادر بعيدا عن الاعتماد الكامل على واشنطن، في نفس الوقت الذي يجب العمل خلاله على استغلال فترة التهدئة لتعزيز مشاريع اقتصادية كبرى لتحويل الاستقرار الأمني الى مكاسب اقتصادية ملموسة تعزز مكانة الخليج كمركز عالمي للطاقة والتجارة. لذلك، يمكن لدول الخليج أن تحول الصفقة من مخرج تكتيكي للطرفين إلى رافعة استراتيجية تخدم مصالحها على المدى الطويل.
أما فلسطين فتكاد تكون الغائب الأكبر في التفاهم الامريكي الايراني ما يثير الكثير من التساؤلات، والخشية أن يؤدي هذا التفاهم إلى تهدئة مع إيران وحلفاءها تستفيد منه إسرائيل بفعل تقليص الضغط العسكري على جبهات أخرى لتبقي على الملف الفلسطيني معزولا، وعلى الأرض الفلسطينية ساحة مفتوحة لقطعان المستوطنين، وعلى الشعب الفلسطيني هدفا للقتل والابادة والتطهير، بينما العالم منشغل بأولويات توفرها صفقة تبادل المصالح على ركام المبادئ.