أقلام وآراء

غابت فلسطين عن اتفاق الضرورة بين واشنطن وطهران

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

شهد الأسبوع الماضي التوقيع إلكترونياً على مذكرة تفاهم بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو ما يمثل تلاقي المصالح عند نقطة الضرورة لوقف الحرب، انطلاقاً من أن استمرار الوضع القائم بات يلحق الضرر بمصالح الطرفين، ولا سيما على المستوى الداخلي، مع تراجع قدرتهما على مواصلة لعبة عضّ الأصابع، هرمز وما ترتب عليها من تفاقم أزمة الطاقة العالمية، وتعطل سلاسل الإنتاج والتوريد، وارتفاع أسعار السلع والخدمات في مختلف أنحاء العالم، باتت تهدد بأزمة اقتصادية عالمية أشد تأثيراً واتساعاً من أزمة عام 2008 التي ضربت العالم الرأسمالي وأدت إلى انهيارات واسعة في قطاعي البناء والبنوك.
وقد لعب الوسطاء دوراً مهماً حتى اللحظات الأخيرة في صياغة الاتفاق، الذي وإن كان انتقالياً لمدة ستين يوماً، إلا أنه حمل في طياته معظم عناصر التفاوض على الاتفاق النهائي، من خلال تجاوز عدد من الاشتراطات الأمريكية من جهة، وتقديم التزامات إيرانية مقابلة من جهة أخرى.
وفي حين نجحت طهران في ربط وقف إطلاق النار ليشمل مختلف الجبهات التي فتحت بهدف أقلمة الصراع، ولا سيما في لبنان واليمن والعراق، غابت فلسطين كلياً عن الاتفاق، وهو ما كنا نحذر منه قيادة حركة حماس، ففلسطين ليست من أولويات النظام الإيراني إلا بحدود صورتها الوظيفية في حساباته الإقليمية، وفي المقابل، فإن هذا الربط بين الساحات الإقليمية، مع استثناء فلسطين، قد أشعل أزمة مكتومة بين الإدارة الأمريكية وحكومة بنيامين نتنياهو، ولم تبدأ هذه الأزمة مع الإعلان عن الاتفاق، بل كانت تتراكم خلال مرحلة التفاوض التي جرى فيها إبعاد إسرائيل عن المشاورات الأساسية.
وقد أثبتت هذه التجربة مجدداً حقيقة لطالما جرى تجاهلها، وهي أن إسرائيل، رغم مكانتها الخاصة، تبقى دولة وظيفية في خدمة المصالح الأمريكية، وليست شريكاً كاملاً في رسم الاستراتيجية الكبرى، فهي أداة من أدوات النفوذ الأمريكي يمكن استخدامها رأس حربة في الحروب الإقليمية، لكنها تستبعد عندما تبدأ التسويات ويعاد ترتيب الأولويات وفقاً للمصالح الأمريكية المباشرة.
الرأي العام الإسرائيلي، الذي كان يتفاعل مع تنامي حراك المعارضة ويتهم حكومة نتنياهو وشريكيه إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بتقويض السيادة والاستقلال السياسي لإسرائيل، وجد في الاتفاق ما يعزز روايته، وقد انعكس ذلك بوضوح في نتائج استطلاعات الرأي التي أظهرت تراجعاً إضافياً في شعبية الائتلاف الحاكم.
أما ردود فعل بعض وزراء حكومة نتنياهو على الاتفاق، فقد ووجهت بردّ أمريكي غير مسبوق، عبّر عنه نائب الرئيس جي دي فانس، الذي كشف بصورة مباشرة طبيعة العلاقة القائمة مع إسرائيل، مشفوعاً برسالة تحذير واضحة مفادها أن المشكلة ليست مع الرئيس الأمريكي أو مع الولايات المتحدة، بل مع السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية نفسها.
وقد ساهم هذا الموقف في لجم الأصوات المتطرفة داخل حكومة نتنياهو، وإلزامها بالتعامل مع ترتيبات وقف إطلاق النار في لبنان، والتي جرى التوافق عليها بصورة غير مباشرة مع حزب الله عبر الوسطاء.
وإذا كان الاتفاق قد غيّب فلسطين عن أي مكانة حقيقية في سياق الحل الشرق أوسطي الجاري الإعداد له، مكتفياً بتحريك ما يسمى بمجلس السلام في غزة، مع وصول طلائع قوات الاستقرار الدولية إلى معبر كرم أبو سالم من أربع دول، بينها كوسوفو والمغرب، تمهيداً لوصول قوات إضافية من دول أخرى، ومحاولة توفير التمويل اللازم لها؛ فإن جهود الوسطاء تكثفت في الوقت ذاته مع حركة حماس لدفعها نحو الموافقة على خطة ملادينوف المعدلة استناداً إلى الورقة التي قدمتها الحركة عبر الوسطاء.
وقد صيغ الرد بلغة يكتنفها ما يسمى بالغموض البنّاء، بما يوحي باستيعاب عدد من مطالب حماس المتعلقة بضمان دورها اللاحق في غزة عبر موظفيها وأجهزتها الشرطية، والحفاظ على سلاحها الخفيف وفقاً للقوانين الفلسطينية التي ستطبقها اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة.
إن هذا التوازي بين الملفين اللبناني والغزي، وهما الساحتان اللتان لا يزال بإمكان نتنياهو استخدامهما لتعطيل الاتفاق أو تخريبه خدمة لاعتباراته الانتخابية والشخصية، يجعل احتمالات التصعيد قائمة ما لم تمارس واشنطن ضغوطاً مستمرة لكبح طموحاته حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وما يثير القلق بصورة خاصة هو أن يقتصر المسار السياسي الفلسطيني على تطبيق ما يعرف بخطة ترامب في قطاع غزة، وأن يجري التعامل معها باعتبارها المسار الوحيد الممكن للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، بما يفتح الباب أمام تكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
كما أن هذا المسار يبدو موجهاً نحو إعادة تأهيل حركة حماس وتحويلها تدريجياً إلى حركة سياسية حزبية غير مسلحة، لتكون شريكاً في الترتيبات السياسية المقبلة، ليس في قطاع غزة فحسب، وإنما أيضاً في أي ترتيبات مستقبلية محتملة في الضفة الغربية.
ولمواجهة مخاطر التقسيم والفصل، وكذلك تغييب فلسطين عن المشهد السياسي في سياق إعادة بناء النظام الإقليمي الشرق أوسطي، فإن مواصلة الجهود من أجل التوافق الوطني على إجراء الانتخابات العامة تمثل أولوية وطنية ملحة، بما يضمن وحدة الشعب والأرض، ويقود إلى مجلس تشريعي منتخب يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس صناديق الاقتراع والاحتكام إلى إرادة الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، بالتوازي مع إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الشتات.
إن هذه الخطوة، وإن كانت ممكنة التحقيق، تحتاج إلى توافق وطني شامل باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وتوحيد النظام السياسي، كما أن استكمال الاستعدادات القانونية والتشريعية واللوجستية اللازمة لها من شأنه أن يعزز قدراتنا الداخلية، وأن يضع المجتمع الدولي، الذي لا يكف عن مطالبتنا بالإصلاح، أمام مسؤولياته في توفير البيئة السياسية والقانونية المناسبة لإجراء الانتخابات، بما فيها الانتخابات الرئاسية لاحقاً، بما يؤدي إلى تجديد الشرعية وتقوية النظام السياسي الفلسطيني الذي يسعى نتنياهو إلى تقويضه وإضعافه وصولاً إلى إنهائه.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى