أقلام وآراء

قمة السبع: بيان بنكهة الاتفاق لا يعكس خطورة اللحظة العالمية!

 

بقلم : خليل حمد

لا شك أن اللحظة التاريخية التي انعقدت فيها قمة السبع الكبار في مدينة إيفيان الفرنسية تمثل أحد أكبر التحديات التي يعيشها النظام العالمي حالياً، للحفاظ على شكله أو تعديله بما يتناسب والتغيرات الجديدة التي فرضتها المستجدات.

التحديات تأخذ ظاهرياً عناوين عديدة منها “أوكرانيا” و”إيران” و”لبنان”، و”فلسطين” بطبيعة الحال، لكن رأس جبل الجليد هذا لا يعكس حقيقة التباينات التي تجاهلت القمة البحث في أسبابها ومآلاتها.

البيان الختامي للقمة عكس نوعاً من المقاربة السطحية للملفات الأبرز، ومحاولة متجددة لتأجيل النقاشات الكبرى التي يجب أن يخوضها العالم عاجلاً وليس آجلاً، حول دور القوى العالمية في تحديد مجريات الملفات العالمية، وتفرُّد الولايات المتحدة مؤخراً بقرارات تؤثر على الأمن والسلم والاقتصاد العالمي. نقاش يجب أن يكون أولوية بعيداً عن العبارات الفضفاضة التي خرج بها البيان: مواصلة الدعم الثابت لأوكرانيا وزيادة الضغط على روسيا، ترحيب بالاتفاق الأمريكي الإيراني التاريخي!، دعم للحكومة اللبنانية في التفاوض مع “إسرائيل” وحصر السلاح، تعهد بـ “تسريع جهود الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار” في قطاع غزة، ودعوة لإنهاء “العنف” في الضفة الغربية.

بعيداً عن كل ذلك، لا تزال التفاصيل التي تكمن خلف البيان تطرح أسئلة أعمق من أزمات محدودة زمنياً، تتعلق بطبيعة النظام الدولي نفسه. كل العناوين السابقة للأزمات المفترضة، بما فيها صعود الصين المتنامي، ليست إلا دلائل على حالة انتقالية يعيشها العالم منذ سنوات، بأبعاد مركَّبة في كثير من الأحيان، في أحد أبعادها تباينات بين واشنطن من جهة، والدول الست الباقية في مجموعة السبع من جهة أخرى، وفي بُعد آخر تباين كبير بين التحالف الشرقي المؤلف من موسكو وبكين، والكتلة الغربية التي تفقد تجانسها تدريجياً، ناهيك عن تباينات الدول الأغنى مع الدول الأفقر أو الدول التي تسعى لتنمية اقتصاداتها.

في الملف الأوكراني مثلاً، لا تعكس التصريحات المتقاربة عمق الاختلافات في النظرة إلى الصراع الدائر هناك، فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية تحولت أوكرانيا إلى اختبار حقيقي لقدرة الغرب على الحفاظ على تماسكه السياسي والعسكري. وعلى الرغم من استمرار الدعم الغربي لكييف، فإن السنوات الأخيرة أظهرت تباينات واضحة في تقدير الأهداف النهائية للحرب. تنظر الولايات المتحدة إلى الصراع باعتباره جزءاً من مواجهة أوسع مع روسيا وإعادة رسم موازين القوة العالمية، بينما تركز عدة عواصم أوروبية على البحث عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن استقرار القارة الأوروبية وتخفف من الأعباء الاقتصادية والسياسية الناتجة عن استمرار الحرب.

الملف الإيراني يُظهر أيضاً الفوارق بين المواقف الغربية. فالولايات المتحدة بدأت الحرب بالشراكة مع الاحتلال الإسرائيلي دون أن تُخطر حتى شركاءها الغربيين ، ثم دعتهم للمشاركة معها في فتح مضيق هرمز الذي أغلقته طهران نتيجة الحرب، ومن ثم أعلنت التوصل إلى “اتفاق” مع إيران لم تُطلع شركاءها والرأي العام على تفاصيله قبل الإعلان عنه. الخطوات السابقة في معظمها أثارت حفيظة الغرب نتيجة لاختلاف الرؤية: أمريكا تعتمد الضغط العسكري والاقتصادي، بينما تفضل الدول الأوروبية الإبقاء على قنوات الحوار الدبلوماسي مفتوحة سعياً إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع.

وبالحديث عن احتواء التصعيد ومنع “العنف” –كما تفضل الدول الغربية تسمية الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني– فإن البيانات المنمقة تجاه القضية الفلسطينية لا تقدِّم حلولاً حقيقية لوقف البلطجة الإسرائيلية والإجرام الممنهج بحق الشعب الفلسطيني، ولا تؤشر إلى رغبة حقيقة بإيجاد حلول واضحة ومحددة زمنياً للملف الأخطر في المنطقة والعالم، بل تعكس انعدام القدرة على تقديم أي حلول كلامية على الأقل، ناهيك عن القيام بخطوات فعلية على الأرض نحو تطبيق القرارات الدولية في هذه القضية المحورية على مستوى العالم.

التباينات تتعدى هذه العناوين نحو مؤشرات خطيرة تتعلق بطبيعة التعامل الأمريكي مع الحلفاء والشركاء الكبار في العالم. سؤال الأمن الأوروبي طُرح قبل القمة بناء على تلويحات متعددة من إدارة ترامب بسحب المظلة الدفاعية الأمريكية أو على الأقل تخفيضها بناء على رضى الإدارة أو عدم رضاها عن مواقف هذه الدولة أو تلك، وسؤال الشراكة الحقيقية طرحته كندا واليابان قبل ذلك بناء على خطوات واشنطن المنفردة تجاه الصين أو روسيا. هذه الأسئلة لا تزال دون أجوبة واضحة.

هذا في التباينات الداخلية بين أعضاء المجموعة أنفسهم، لكن ماذا عن باقي العالم؟ إن إناطة ملف رسم المستقبل السياسي والاقتصادي العالمي بمجموعة محددة من الدول هو بحد ذاته انحياز عن مبدأ العدالة العالمية، بمعنى أن هذه الدول على أهمية وقوة اقتصاداتها وإمكاناتها، ليست الوحيدة التي تمتلك هذه المقومات، بل إن قوى أخرى في العالم باتت تنافس وبقوة مواقع عدد من هذه الدول وقد تتفوق عليها، وبناء عليه فإن مفهوم الاجتماع الاقتصادي السياسي لبحث الملفات الكبرى و”الخروج بحلول لها” هو أمر غير ممكن التطبيق، في ظل وجود قوى فاعلة عديدة في مجمل الملفات العالمية، وفي ظل عدم فاعلية الأمم المتحدة في لعب هذا الدور منذ عقود.

بمعنى آخر فإن العالم يشهد تحولاً بنيوياً في النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الباردة. النظام الذي تميز لعقود طويلة بهيمنة غربية وأمريكية شبه مطلقة يواجه اليوم تحديات متصاعدة من قوى دولية وإقليمية جديدة. الصين أصبحت منافساً اقتصادياً وتكنولوجياً واستراتيجياً رئيسياً، بينما تسعى دول أخرى مثل الهند والبرازيل وتركيا والسعودية إلى لعب أدوار أكثر استقلالية بعيداً عن الاصطفافات التقليدية، وتصعد دول إقليمية أخرى مثل إيران وباكستان لتصبح أكثر قدرة على التأثير في محيطها وفي أزمات العالم.

وفي الوقت نفسه، تشهد المؤسسات الدولية صعوبات متزايدة في إدارة الأزمات العالمية، من النزاعات المسلحة إلى التغير المناخي وأمن الطاقة وسلاسل التوريد.

ولذلك فإن جوهر النقاش في قمة السبع لا يجب ان يتعلق فقط بكيفية إدارة أزمات اليوم، بل بكيفية التعامل مع عالم يتغير فيه توزيع القوة والنفوذ بصورة متسارعة.

القضية الأساسية تكمن لا شك في كيفية تكيف الغرب مع عالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة، وتراجع القدرة على فرض رؤية واحدة لإدارة الشؤون الدولية. ومن هنا فإن نجاح القمة لا يُقاس فقط بقراراتها بشأن الأزمات الراهنة، وبيانها المقبول من الجميع، بل بمدى القدرة على صياغة تصور جديد لموقع الغرب في النظام العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا.

زر الذهاب إلى الأعلى