حين تتأخر الحركة الوطنية


بقلم: محمد علوش
ليست المشكلة الفلسطينية اليوم في نقص المواقف، ولا في غياب الخطاب الوطني، ولا حتى في ندرة المبادرات واللقاءات والبيانات، بل إن المشكلة أكثر عمقاً، فنحن أمام حركة وطنية استهلكت جزءاً كبيراً من أدواتها القديمة، فيما تتغير طبيعة الصراع من حولها بسرعة أكبر من قدرتها على التجدد.
وهنا تكمن المفارقة القاسية، فالقضية الفلسطينية ما زالت حاضرة بقوة، والاحتلال أكثر وضوحاً في طبيعته الاستعمارية والعنصرية، والتضامن الدولي مع حقوق الشعب الفلسطيني يتسع في قطاعات مهمة من الرأي العام العالمي، لكن الحركة الوطنية نفسها تبدو في كثير من الأحيان أقل قدرة على تحويل هذه التحولات إلى قوة سياسية وتنظيمية فاعلة.
ليس هذا حكماً على تاريخ الحركة الوطنية، ولا إنكاراً لتضحياتها وإنجازاتها، فقد استطاعت، عبر عقود طويلة، أن تمنع شطب فلسطين من التاريخ والسياسة، وأن تجعل الشعب الفلسطيني طرفاً سياسياً معترفاً به، وأن تنتزع للقضية مكانة دولية لم تكن متاحة في مراحل سابقة، لكن التاريخ لا يمنح شرعية أبدية.
الشرعية التي تصنعها التضحيات تحتاج إلى أن تتجدد بالممارسة، والمؤسسات التي كانت تعبر عن مرحلة تاريخية لا يمكن أن تبقى صالحة إلى ما لا نهاية من دون مراجعة، فما كان تقدمياً في لحظة معينة قد يتحول، إذا جمدناه، إلى عائق أمام التقدم في لحظة أخرى، وهنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة.
أحد وجوه المأزق الفلسطيني أن الحركة الوطنية تغيرت أقل مما تغير المجتمع الفلسطيني، بينما تغير الصراع أكثر مما تغيرت أدواتنا، وما زالت قطاعات واسعة من العمل السياسي أسيرة البنية الفصائلية التقليدية، وأسيرة التوازنات الداخلية التي تشكلت في مراحل سابقة، وأسيرة صراعات المواقع والحصص والتمثيل، في وقت نشأت أجيال فلسطينية جديدة لا ترى السياسة من خلال القوالب نفسها التي حكمت وعي الأجيال السابقة.
جيل كامل نشأ في زمن الإنترنت والفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي، وشهد الحروب والانقسام والبطالة وتراجع الأفق السياسي، ولم يعد يقبل بسهولة أن تكون علاقته بالقضية الوطنية مجرد علاقة عاطفية أو موسمية، وهذا الجيل يريد أن يعرف: ماذا يعني المشروع الوطني في حياته اليومية؟ ماذا يعني في العمل والتعليم والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة؟ وأين مكانه في مؤسسات يفترض أنها تمثله؟ وإذا لم نجب عن هذه الأسئلة، فلن تكفي كل الشعارات عن الوحدة الوطنية.
لقد تحولت الفصائل، في جانب منها، من أدوات لتغيير الواقع إلى مؤسسات تتكيف مع الواقع، وهذه ليست مسألة تخص فصيلاً دون آخر؛ بل إنها مشكلة عامة أصابت بنية النظام السياسي الفلسطيني بأكملها.
وعندما يصبح الحفاظ على التنظيم أهم من تطويره، والحفاظ على الموقع أهم من توسيع المشاركة، والحفاظ على التوازنات أهم من إنتاج حلول جديدة، تتحول السياسة تدريجياً إلى إدارة للأزمة بدل أن تكون أداة لتغييرها.
وهذا هو جوهر المأزق، فالانقسام، مثلاً، لم يعد مجرد خلاف سياسي يمكن إنهاؤه بتوقيع اتفاق جديد، فلقد تحول إلى واقع مؤسسي واجتماعي وسياسي أنتج مصالحه وآلياته وخطاباته، ولذلك فإن إنهاء الانقسام لا يبدأ من المصالحة بين القيادات فقط، بل من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة مختلفة، تجعل الشراكة الوطنية أوسع من اتفاق الفصائل، وتجعل الشعب مصدر الشرعية الحقيقي.
لا يمكن أن تبقى منظمة التحرير مجرد عنوان تاريخي جامع بينما تتآكل قدرتها على تمثيل التحولات السياسية والاجتماعية التي طرأت على الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن تستعيد المنظمة دورها من خلال إعادة إنتاج الصيغ القديمة، بل بإعادة بنائها على قاعدة المشاركة الديمقراطية، وتجديد مؤسساتها، وتوسيع تمثيلها، وربط الداخل بالشتات، وإدماج القوى الاجتماعية والنقابية والشبابية والنسائية والثقافية في الحياة الوطنية.
الديمقراطية هنا ليست شأناً داخلياً منفصلاً عن التحرر الوطني، والديمقراطية جزء من القوة الوطنية، فالمجتمع الذي لا يشارك في صناعة القرار لا يستطيع أن يشعر بأن القرار قراره، والمؤسسة التي لا تتجدد تفقد قدرتها على التعبئة، والحركة التي لا تسمح بتداول الأدوار تتحول مع الزمن إلى بنية مغلقة مهما كان تاريخها عريقاً.
والأخطر أن الفجوة بين السياسة والمجتمع تتسع، فالفلسطيني الذي يواجه البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وانعدام الأفق لا يستطيع أن يعيش على الخطاب السياسي وحده، فالعامل يريد حقه في العمل والأجر والحماية الاجتماعية، والشباب يريدون مستقبلاً لا مجرد دعوة إلى الصمود، والمرأة تريد شراكة حقيقية لا حضوراً رمزياً، والمجتمع يريد مؤسسات تحمي كرامته، لا مؤسسات تطلب منه الصبر إلى أجل غير مسمى، لهذا فإن استعادة المشروع الوطني لا يمكن أن تتم من بوابة السياسة وحدها.
نحن بحاجة إلى إعادة وصل التحرر الوطني بالعدالة الاجتماعية، فالقضية الوطنية التي لا تنعكس على حياة الناس تتحول تدريجياً إلى شعار، والعدالة الاجتماعية التي تنفصل عن التحرر الوطني تفقد أحد أهم مصادر قوتها التاريخية، فالعلاقة بين الاثنين ليست ترفاً فكرياً، بل شرط من شروط بناء مجتمع قادر على الصمود والمواجهة.
ثم هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية: مشكلة الفكر، فلقد تغير العالم بصورة جذرية، لكننا ما زلنا نستخدم في كثير من الأحيان مفاهيم وتحليلات تنتمي إلى عالم مضى، فلم يعد الصراع يدور فقط في الميدان العسكري أو على طاولة المفاوضات، وهناك صراع على التكنولوجيا، والمعلومة، والرواية، والثقافة، والاقتصاد، والقانون الدولي، والرأي العام، والفضاء الرقمي، والتعليم.
إسرائيل تطور أدواتها باستمرار، فيما لا يزال جزء من خطابنا السياسي يتحرك داخل قاموس قديم، ونحن نحتاج إلى أن نسأل: ما معنى المقاومة في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن تحويل القانون الدولي إلى أداة سياسية فاعلة؟ وكيف نبني اقتصاداً قادراً على الصمود؟ وكيف نواجه الرواية الإسرائيلية في الجامعات ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية؟ وكيف نعيد بناء الحركة النقابية والشعبية؟ وكيف نحول الفلسطينيين في الشتات من جمهور متعاطف إلى قوة سياسية ومجتمعية منظمة؟
هذه ليست أسئلة ثانوية، بل إنها أسئلة المعركة نفسها، ولكن بأدوات جديدة، ومن هنا فإن المراجعة المطلوبة ليست تعديلاً في الخطاب، ولا تبديلاً في بعض المواقع القيادية، ولا إعادة توزيع للمقاعد، والمراجعة الحقيقية يجب أن تكون أعمق: مراجعة للفكرة، وللأداة، وللتنظيم، ولطريقة صنع القرار، ولعلاقة الحركة الوطنية بالمجتمع.
علينا أن نتوقف عن الاعتقاد بأن كل نقد للحركة الوطنية هو إضعاف لها، فالعكس هو الصحيح، فالحركة التي تخاف النقد تتحول إلى مؤسسة تدافع عن نفسها، بدل أن تكون حركة تدافع عن شعبها، والمطلوب اليوم ليس جلد الماضي، بل تحرير المستقبل من أسر الماضي.
لا أحد يستطيع أن يلغي تاريخ الفصائل الفلسطينية، ولا ينبغي له ذلك، لكن الفصيل الذي يصر على أن يبقى كما كان قبل ثلاثين أو أربعين عاماً لن يستطيع أن يكون كما يحتاجه المستقبل، كما أن الجيل الذي صنع التجربة الوطنية السابقة لا ينبغي أن يقصى، لكنه مطالب أيضاً بفتح الطريق أمام أجيال جديدة لا تحمل فقط مشاعر الانتماء، بل تمتلك أدوات جديدة للتفكير والعمل والتنظيم.
نحن بحاجة إلى انتقال حقيقي من شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز، ومن شرعية التمثيل الفصائلي إلى شرعية المشاركة الشعبية، ومن سياسة انتظار المبادرات الخارجية إلى صناعة المبادرة الوطنية، ومن إدارة الانقسام إلى تفكيك بنيته، ومن التنافس على المواقع إلى التنافس على البرامج، ومن البيانات إلى بناء أدوات تأثير حقيقية، ومن التعامل مع الشباب باعتبارهم جمهوراً إلى التعامل معهم باعتبارهم شركاء في صناعة القرار.
وهذا كله يحتاج إلى شجاعة سياسية، فالمراجعة الجدية لن تكون مريحة لأحد، ستطرح أسئلة حول المسؤوليات، وستكشف أخطاء، وستصطدم بمصالح تراكمت عبر سنوات، وستضع بعض المسلمات موضع النقاش، لكن البديل عن المراجعة ليس الاستقرار؛ البديل هو استمرار التآكل البطيء، ولذلك فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة تجميل للمشهد الفلسطيني، بل لحظة إعادة تأسيس.
نحتاج إلى مؤتمر وطني حقيقي لا يجتمع لتكرار ما قيل، بل لطرح الأسئلة التي جرى تأجيلها طويلاً، نحتاج إلى إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وتجديد شرعيات المؤسسات، وإعادة الاعتبار للانتخابات، وتوسيع المشاركة، وإنهاء الانقسام على أساس سياسي ومؤسساتي جديد، وإعادة الاعتبار للعمل الشعبي والنقابي، وبناء رؤية اقتصادية واجتماعية وطنية، وتجديد الخطاب السياسي بما يتلاءم مع عالم يتغير بسرعة، والأهم من ذلك كله أن نعيد الثقة إلى المواطن الفلسطيني بأن السياسة ليست عالماً مغلقاً فوقه، وأن صوته ليس مجرد رقم في موسم انتخابي، وأن القضية الوطنية ليست ملكاً لفصيل أو قيادة أو مؤسسة، ففلسطين أكبر من الفصائل، وأكبر من السلطة، وأكبر من الخلافات التنظيمية، وأكبر من الأشخاص جميعاً، وهذه الحقيقة، التي تبدو بديهية، هي ربما أكثر ما نحتاج إلى استعادته اليوم.
إن المأزق الفلسطيني لا يعني نهاية الحركة الوطنية، لكنه يعني أن صيغتها الحالية لم تعد كافية، والفرق كبير بين أن نقول إن الحركة الوطنية انتهت، وبين أن نقول إنها مطالبة بأن تولد من جديد، وأنا لا أعتقد أن المطلوب هدم الحركة الوطنية، بل إنقاذها من الجمود، ولا أعتقد أن المطلوب التخلي عن المشروع الوطني، بل استعادة قدرته على إنتاج المستقبل، فالقضية الفلسطينية لا تعاني من فائض التاريخ؛ بل إنها تعاني من نقص المستقبل، وهنا تحديداً تبدأ مسؤوليتنا، أن نحول الذاكرة إلى خبرة، لا إلى إقامة دائمة في الماضي، وأن نحول التضحيات إلى مؤسسات أكثر ديمقراطية، وأن نحول الوطنية إلى ممارسة يومية، وأن نحول الغضب إلى تنظيم، وأن نحول المأزق من نهاية محتملة إلى بداية جديدة، فحين تتأخر الحركة الوطنية عن زمنها، لا يتوقف الزمن انتظاراً لها، فإما أن تتجدد، أو يتجاوزها المستقبل.