أقلام وآراء

في ظل الانشغال الأمريكي.. هل تختبر موسكو حدود ردع الناتو؟

بقلم: خليل حمد

لا تنتهي الأزمات الدولية الكبرى بشكل هادئ. في كثير من الأحيان، تحتاج الملفات التي تراوح مكانها منذ وقت طويل إلى هزات جيوسياسية أو عسكرية أكبر كي تفتح بوابات جديدة، لحلول ربما، أو لاشتباكات أوسع. من هذه البوابة، التصريحات الروسية الأخيرة التي تحمّل حلف شمال الأطلسي “ناتو” مسؤولية التصعيد في بحر البلطيق والمحيط المتجمد الشمالي، قد تحمل تلميحاً إلى اختبار محتمل لهزة تحرك جمود المعركة غير المحسومة في أوكرانيا.
في التحليل الافتراضي، تبدو الظروف في هذه اللحظة الجيوسياسية مواتية لخطوة من هذا النوع. ليس بمعنى أن تبدأ موسكو حرباً عالمية ثالثة، بل بمنطق أن تختبر قدرة الردع الأطلسية اليوم تحديداً، مع انشغال الولايات المتحدة بحروب في ساحات أخرى، أدت إلى استنزاف بعض مخزوناتها العسكرية، وتحديداً الصاروخية منها. اختبار من شأن نتيجته أن يغير كثيراً في موازين القوى شرق القارة العجوز، وعلى مستوى العالم ربما.
في اللحظة حديث جدي عن “استنزاف الترسانة الصاروخية الأمريكية” بسبب الحرب على إيران، والحاجة إلى وقت طويل نسبياً لإعادة ترميمها، إضافة إلى تراجع في جاهزية بعض القوات.
صحيفة “واشنطن بوست” نقلت عن أشخاص مطلعين تقييمات استخباراتية أمريكية أن ثمة اعتقاداً في أروقة وزارة الحرب الأمريكية، بأن ذلك قد يغري موسكو بالتصعيد في أوروبا.
رغم ذلك، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطمئناً إلى أن روسيا لن تُقدم على بدء اشتباك مع الناتو في هذه المرحلة، وهو ما قد يتصل بالزيارة السرية التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية “سي آي إيه” جون راتكليف إلى موسكو، والتي قيل إنها حملت تحذيراً للكرملين بعدم التصعيد مع الناتو. استئناف الهجمات على إيران في هذه اللحظة قد يكون بحد ذاته مؤشراً إلى أن واشنطن لا ترى في احتمال التصعيد الروسي مع الناتو خطراً وشيكاً يفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها فوراً. فالإدارة الأمريكية، رغم تحذيرها موسكو من اختبار الحلف، لا تزال تتصرف على أساس قدرتها على إدارة أكثر من جبهة في الوقت نفسه؛ وهو تقدير –إذا كان قائماً فعلاً– يفسر جانباً من الطمأنينة التي يبديها ترامب تجاه احتمال دخول روسيا في مواجهة مع الحلف الأطلسي.
لكن الأمور ليست بهذه البساطة. أوروبا نفسها تقف منذ سنوات أمام سؤال الردع الذاتي، الذي يُطرح بقوة في الآونة الأخيرة، مع أخبار تكشف عن إعادة بناء القدرات الدفاعية الذاتية، وفي ظل تلويح أمريكي مستمر بتحديد المظلة الدفاعية في القارة العجوز، وخطوات اتخذها ترامب مؤخراً لتقليص عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في ألمانيا تحديداً، وتأجيله صفقات صاروخية كانت مقررة مع بعض الدول. كل هذا يجري تزامناً مع توصيف راسخ لدى الدول الأوروبية، بأن القارة بأكملها تعيش أخطر مرحلة أمنية في تاريخها منذ انتهاء الحرب الباردة.
روسيا نفسها تقف أيضاً أمام أسئلة مهمة تتعلق بقدراتها في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا، ذلك أنها ليست في وضع “القوة الفائضة”، من منطلق أن المدة الطويلة للحرب أظهرت قيوداً عسكرية حقيقة، رغم احتفاظها بقدرات خطيرة. كلا الطرفين إذاً يعاني نقاط تراجع ويمتلك نقاط تقدم، وعليه فإن السؤال الأهم هنا: هل تعتقد موسكو أن ميزان المخاطرة تغير بما يكفي ليصبح اختبار ردع الناتو أقل تكلفة؟ وهل يمكن أن تفكر روسيا في هذا الاختبار كوسيلة لكسر الجمود في أوكرانيا؟
حجم الاشتباك المُحتمل يمكن أن يُجيب على بعض التفاصيل. الحديث هنا ليس عن دبابات روسية تخترق حدود دولة أطلسية. قد يبدأ الاختبار من منطقة رمادية وبشكل يحتمل العديد من التفسيرات. حادث بحري أو جوي محدود على شكل احتكاك ما، هجمات سيبرانية، مسيرات وأهداف متعلقة بالبنية التحتية. حادثة من هذا النوع تختبر بها موسكو حدود الردع وآلياته في نقطة صغيرة، بطريقة تُربك التفسيرات بين الدول الأعضاء في الحلف على ما يمكن اعتباره حدثاً يستدعي تفعيل المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، المتعلقة بالدفاع الجماعي، وتختبر توافقها السياسي والعسكري.
بناء ما سبق على فرضية “الضعف” أو “التراجع” الأمريكي مخاطرة بحد ذاته. ليس من السهل على موسكو أن تختبر قدرة الولايات المتحدة على ترجمة قوتها إلى ردع فعلي في أكثر من مسرح في الوقت نفسه، رغم كل الأحاديث عن أن قوة واشنطن “موزعة” و”مستنزفة” على أكثر من ساحة. ناهيك عن أن قدرات دول الناتو الأوروبية في الوقت الراهن لا يُستهان بها. فرنسا وبريطانيا تمتلكان الأسلحة النووية. ألمانيا وبولندا ترفعان الإنفاق العسكري، ودول الشرق الأوروبي تعيد تسليح نفسها.
في الملعب الروسي أيضاً حلفاء اختبرت موسكو شكل الاعتماد عليهم منذ بدأت حربها في أوكرانيا. من المهم جداً دراسة مستوى الانخراط الصيني في أي مواجهة محتملة مع الناتو مهما كان شكلها. قد لا تلبي “الشراكة الاستراتيجية” بين موسكو وبكين متطلبات مواجهة أوسع مما يجري في أوكرانيا. كوريا الشمالية لها اعتباراتها، في الانخراط أيضاً، وربما من الأفضل للكرملين ألا تنخرط بيونغ يانغ بشكل كامل في أي مواجهة عسكرية، لأن ذلك سيُعطي للمعركة بُعداً مختلفاً.
وفي طرفي المواجهة المحتملة، ثمة اعتبارات مختلفة لكثير من المنخرطين وحلفائهم، بدءاً بحقيقة أن دول الناتو، إلا أنها لا تبدو بالضرورة متساوية في درجة انخراطها في أي مواجهة محتملة، ما يجعل أسباب وشكل تدخلها أكثر مرونة. وصولاً إلى حلفاء روسيا الذين يمتلكون هامش تدخل مختلفاً. جميعهم لديهم قدرات عسكرية وإن كانت متفاوتة، لكن الإرادة السياسية للتدخل تختلف بين الصين الأكبر قوة وأقل رغبة في الدخول بمواجهات عسكرية كما أظهرت احتكاكات السنوات الماضية مع الغرب، وبين كوريا الشمالية التي تبدو قيادتها أكثر رغبة في الانخراط العسكري، وبين إيران التي تنشغل حالياً بمواجهتها الخاصة مع الولايات المتحدة ما يجعل رغبتها بالبقاء تحت سقف المواجهة أعلى من أي اعتبار.
كل المعطيات السابقة تقول إن اللحظة حساسة جداً، ويبقى الجواب على السؤال الأبرز حبيس أروقة صنع القرار في الكرملين: هل نحن أمام لحظة تستطيع فيها موسكو اختبار الناتو، أم أمام لحظة ستساهم في دفع الناتو إلى إعادة تشكيل نفسه بعيداً عن الاعتماد الكبير على المظلة الأمريكية؟ كل الخيارات مفتوحة في السياسة والعسكر معاً، لكن الأكيد أن العالم يقف على مفترق طرق ويعيش إعادة تشكيل لماهية القوى وحدودها، وأن إعادة التشكيل هذه ستشهد الكثير من الأحداث الكبيرة القادمة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى