أقلام وآراء

التحديات والفرص والنظام السياسي الفلسطيني

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

التطورات المتسارعة في المنطقة، وخاصة في ضوء التغير في موازين القوى الدولية والانتقال التدريجي من نظام الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، وهو ما يأتي لغير مصلحة واشنطن، أفرزت أربع تحديات رئيسية أمام النظام السياسي الفلسطيني، وقد تشكل هذه التحديات فرصة لإعادة وضع القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية والإقليمية، انطلاقاً من أن الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة يمر عبر ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتنفيذ حل الدولتين المتفق عليه دولياً، على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

وسنتناول تباعاً، في افتتاحيات «نضال الشعب»، هذه التحديات، وكيف يمكن تحويلها إلى فرص أمام شعبنا للخروج من محاولات التقويض والانقضاض على منجزات الشعب الفلسطيني التي حققها بتضحيات جسيمة، ويمكن اعتبار التحدي الأول والرئيسي اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي فتحت الباب أمام احتمالات عديدة لترتيبات نظام شرق أوسطي جديد، ففي خضم مشاركة نتنياهو في الضربات الأولى، بشّر بنظام شرق أوسطي جديد، أساسه نظام أمن إقليمي تلعب فيه إسرائيل دور الوكيل الحصري للولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب ضمان مصالحها، بالطبع، وفي مقدمة ذلك تعميم نموذج الاتفاقيات الإبراهيمية، باعتباره اختباراً وجواز مرور لأي دولة تقبل أن تكون تحت هذه المظلة.

كما أن إدارة ترامب لم تخفِ هذا الهدف، فقد أعلنت مراراً وتكراراً رغبتها في بناء نظام إقليمي جديد بديل للنظام الإقليمي القائم، بعد إعادة ترتيبه وفقاً لموازين قوى جديدة، وبما يخدم ويضمن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً بعدما أكدت حرب الخليج، بما لا يدع مجالاً للشك، الدور الوظيفي لإسرائيل ضمن الاستراتيجية الأمريكية، ليس أكثر ولا أقل.

وعليه، فإن استمرار الحرب بأشكالها وأدواتها المختلفة، والتصعيد الأخير فيها، هدفه الرئيسي تحسين الشروط التفاوضية لكل طرف من الأطراف؛ فالحرب ليست هدفاً بحد ذاتها، بل هي وسيلة للوصول إلى تفاهمات وتسويات لترتيب النظام الإقليمي الجديد، فلا أمريكا قادرة على إلحاق هزيمة نكراء تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني واستبداله، كما توهمت في البداية قياساً إلى تجربة فنزويلا، ولا إيران تدرك أنها تستطيع إلحاق هزيمة بالولايات المتحدة الأمريكية، رغم قدرتها على تدويل الصراع من خلال إغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب، الأمر الذي ألحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد العالمي وبسلاسل الإنتاج والتوريد والتسويق، وكذلك استطاعت إيران، عبر أذرعها في المنطقة وبتدخلها المباشر، أن تؤقلم الصراع بعد تدويله.

إذ لا مصلحة للولايات المتحدة ولا لإيران في إدامة الصراع، إلا بالقدر الذي يمكن كلّاً منهما من الوصول إلى صفقة تضمن مصالحه ودوره الإقليمي، وعليه، فإن اللاعبين الإقليميين الآخرين الذين وجدوا فرصة لهم لتثبيت حضورهم ومصالحهم، وكانت لهم حسابات أخرى في استغلال هذه الحرب وتوظيفها بما يخدم هذه المصالح، وفي مقدمة هذه القوى الإقليمية من يطلقون على أنفسهم «القوى الصاعدة» (إسرائيل ودولة خليجية)، سعوا وما زالوا إلى تصعيد الحرب ومدّ أمدها، لاعتقادهم بأن نتيجتها ستكون سقوط النظام الإيراني وإعادة تشكل نظام إقليمي جديد يكون لهما، وبنسب مختلفة، دور كبير فيه.

أما القوى الإقليمية الأخرى الأكثر تأثيراً ونفوذاً، فترى أن سقوط النظام الإيراني سيخلق فوضى إقليمية كبيرة، أسوأ وأوسع من فوضى سقوط نظام صدام حسين، التي ما زالت المنطقة تعاني منها، وهو ما يشكل تهديداً إقليمياً جديداً، علاوة على ذلك، فإن أي دور متزايد لإسرائيل سيشكل تهديداً مباشراً لمصالحها ودورها في المنطقة، فقد سعت هذه الدول إلى التحرك لاحتواء الموقف والتوصل إلى وقف الحرب، لقناعتها بأن نظاماً إيرانياً ضعيفاً ومعزولاً ومنبوذاً بحاجة إلى عشرات السنوات لإعادة بناء بلاده، ولن يشكل تهديداً لها، وعليه، ذهبت إلى صيغة تحالفية عسكرية للدفاع المشترك بين أطرافها، ربما تفتح المجال لدخول أطراف أخرى فيه.

في حين أن أوساطاً من داخل النظام الإيراني، والمحسوبين على التيار الإصلاحي فيه، يرون أن من نتائج هذه الحرب التوصل إلى صيغة تحالف ما بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تعود فيه إيران بإمكانياتها البشرية والعسكرية للعب دور شرطي الخليج والحليف الاستراتيجي، كما كان الوضع في عهد الشاه المخلوع، وهو ما يعتبر تهديداً لكل اللاعبين الإقليميين، لذا، فجميعهم يسعى إلى استبعاد هذا الخيار عبر تأثيرهم على دوائر صنع القرار في الإدارة الأمريكية.

انطلاقاً من قراءتنا هذه للمشهد السياسي وتداعياته الإقليمية والدولية، فإن التوصل إلى صيغة لوقف الحرب وتسوية إقليمية في نهاية التصعيد أمر لا مفر منه، لكن السؤال الأهم: أين فلسطين من أي تسوية إقليمية؟ هل ستكون خارج المعادلة؟ أم سيتم الاكتفاء بالحل المفترض لمجلس السلام لقطاع غزة، دون الضفة الغربية والقدس التي في القلب منها؟ وهو خيار مطروح بالفعل، أم أن بالإمكان، وهو ما نعتبره الفرصة التي يخلقها هذا التحدي الكبير لإعادة صياغة النظام الإقليمي في المنطقة، إعادة طرح القضية الفلسطينية باعتبارها قاعدة الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، عبر التحرك مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ومصر والأردن، ومع اللاعبين الإقليميين، تركيا وباكستان، باعتبار أن أي تسوية إقليمية يجب أن تنطلق من مبادرة السلام العربية، التي أصبحت مبادرة عربية بعد تبنيها من قمة بيروت، وكذلك مبادرة إسلامية بعد تبنيها من مؤتمر القمة الإسلامية الذي عقد في طهران عام 2007، وأصبحت أيضاً مكوناً أساسياً من قرار مجلس الأمن 1515، ومبادرة السلام العربية تقوم أساساً على مبدأين: الأول، الأرض مقابل السلام؛ والثاني، الاعتراف والتطبيع مقابل الدولة الفلسطينية.

إن تحركاً فلسطينياً فاعلاً مع الأطراف الإقليمية الأساسية، والأطراف الدولية المعنية، يجعل من هذه الإمكانية فرصة لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية وأساس لأي تسويات إقليمية شاملة.

 

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى