“اتفاق مكة” هل يقلق إسرائيل ويعيد رسم موازين القوى؟


بقلم: عائدة عم علي
يبدو التصعيد والدماء والدمار واشاعة التوترو زعزعة الاستقرار وخوض حروب جديدة على كل الجبهات هو برنامج ودعاية رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الوحيد لجذب الناخبين المتطرفين بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي الحالية انها لا تضمن الأغلبية لمعسكره لضمان بقائه الذي لم يعد كما كان يرجو.
إن الغارات الإسرائيلية الثماني على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب ليس مجرد استهداف لسورية مجددا فحسب، فاختيار قاعدة تبعد نحو سبعين كيلومتراً عن الحدود التركية، واستهداف مدرجها ومستودعاتها، بعدما ظهرت مؤشرات إلى اهتمام تركي بإعادة تأهيلها، يجعلان الرسالة أبعد من دمشق. إنها رسالة إلى الحلف التركي السعودي الباكستاني الجديد، ومضمونها أن ولادة هذا الحلف لا تغيّر والواقع ولا تعيد رسم الخريطة الجيوستراتيجية للإقليم.
الغارات الإسرائيلية على ادلب بمثابة اول اختبار للحلف الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، وانذار لتركيا من وجود قواتها لتهديد أمن إسرائيل وتقويض حرية طيرانها، أي بمعنى أحقية “إسرائيل” استباحة الأجواء السورية والعراقية والغزية واللبنانية والإيرانية والاحتفاظ بحرية الضرب بنفس المنطق، ومنع أي قوة إقليمية من تقييدها، خشية من تفوق دول عربية أو شرق أوسطية على دولة الاحتلال.
هذه الفرضية تزداد أهمية مع اشتداد صراع النفوذ التركي -ـ “الإسرائيلي”، وخصوصاً في سورية. فأنقرة تنظر إلى المجال السوري باعتباره جزءاً مباشراً من أمنها القومي ونفوذها الإقليمي، بينما ترى “إسرائيل” في تمدّد الحضور التركي قيداً محتمَلاً على حريتها العسكرية والسياسية. وبذلك تصبح تركيا، داخل المثلث الجديد، صاحبة مشروع إقليمي يتجاوز حماية السعودية أو التعاون الدفاعي معها؛ فهي تبحث عن كتلة تمنحها وزناً أكبر في مواجهة محاولة “إسرائيل” فرض نفسها قوةً مهيمنة على المشرق.
لكن المبعوث الأميركي توم برّاك الذي تحدث عن أن الغارات عكست اعتقاداً إسرائيلياً بأن أنقرة قد تزيد وجودها في القاعدة مستقبلاً، من خلال مساعدة الحكومة السورية الجديدة في تدريب الجيش وإعادة بناء المؤسسات والمنشآت العسكرية، وهي تعتقد أن وجود القاعدة على الحدود التركية السورية يمنحها حصانة تجعلها مختلفة عن مطارات حمص التي سبق واستهدفت فيها “إسرائيل” منشآت تركية.
هنا تكمن الدلالة الأولى من أن “إسرائيل” لم تقصف موقعاً إيرانياً أو شحنة أسلحة لحزب الله، وفق الذريعة التقليدية، بل ضربت منشأة تابعة للدولة السورية يجري التفكير في إعادة تأهيلها بمساعدة تركية. وبذلك انتقلت من منع الوجود الإيراني إلى منع سورية من استعادة قدرتها العسكرية، ومن استهداف حلفاء إيران إلى اختبار حدود النفوذ التركي، أي أن إسرائيل تريد أن تقول للدولة السورية
بأن انفتاحها على واشنطن ورغبتها في التهدئة لا يمنحانها حق إعادة بناء قوة جوية أو دفاعات قادرة على تقييد الطيران الإسرائيلي. والمسموح لسوريا، وفق المعادلة الإسرائيلية، هو بناء إدارة وأجهزة أمن داخلية، لا بناء سيادة عسكرية. أما الرسالة إلى تركيا، إن مجال الأمن الإسرائيلي يصل إلى حدودها، وإن إسرائيل تقرّر أين تستطيع أنقرة الانتشار، وما نوع المنشآت التي يمكنها تشغيلها داخل سوريا.
لكن الرسالة الأهم موجّهة إلى الحلف الثلاثي؛ حيث يبدو بوضوح من التوقيت أن “إسرائيل” تريد اختبار ما إذا كان الاتفاق التركي السعودي الباكستاني مجرد إطار سياسي ورسالة طمأنة متبادلة، أم بداية انتقال حقيقي في موازين القوى. وقد اختارت قاعدة مرتبطة بالمصالح التركية لتقول إن الحلف لم يغيّر شيئاً، وإن أنقرة لا تزال تواجه منفردة اختبار النفوذ الإسرائيلي في سوريا، وتكتفي ببيان إدانة بدلاً من دعوة وزراء خارجية ووزراء دفاع دول الحلف لمناقشة العدوان وإصدار موقف يقول إن العدوان هو تهديد للأمن القومي لدول الحلف وعلى “إسرائيل” فهم ذلك والتصرف على أساسه.
تقول “إسرائيل” عملياً إن وجود باكستان، بما تمثله من قوة عسكرية ونووية، لا يصنع مظلة ردع تلقائية؛ لأن الردع يحتاج إلى تعريف مشترك للتهديد، وآلية لاتخاذ القرار، والتزام بأن استهداف المجال الحيوي لإحدى الدول الثلاث يستدعي تحرك الدول الأخرى. ومن دون هذه العناصر تبقى القوة النووية الباكستانية قوة وطنية، ويبقى مال السعودية ونفوذها خارج المعادلة العسكرية، وتظل تركيا أمام “إسرائيل” بقدراتها وحساباتها الخاصة.
الاختبار هذا لا يعني بالضرورة رداً عسكرياً على الغارات، لكنه يفترض موقفاً ثلاثياً واضحاً، وتنسيقاً سياسياً وعسكرياً، وربط أمن سوريا باستقرار الإقليم، وتحديداً معلناً لحدود الحركة الإسرائيلية. أما الاكتفاء بإدانة تركيا، مع صمت سعودي وباكستاني، فيعني منح “إسرائيل” فرصة تفريغ الحلف من مضمونه قبل أن يبدأ.
اللافت أن “إسرائيل” أبلغت واشنطن مسبقاً بمعلومات وصفتها بالحساسة، بينما أدان برّاك الغارات بوصفها «تصعيداً غير ضروريّ». وهذا يكشف خلافاً على الأسلوب لا انقلاباً أميركياً على “إسرائيل”؛ حيث تقوم واشنطن بإدارة التنافس الإسرائيلي التركي عبر آلية منع اشتباك، بينما تستخدم ” إسرائيل” النار لفرض الوقائع قبل بدء التفاوض على هذه الآليّة.
الخلاصة: قد يكون «اتفاق مكة» اليوم أوسع سياسياً من قدرته العسكرية الفعلية، لكنه يكشف تحوّلاً أكثر أهمية: الانتقال من شرق أوسط تصنع واشنطن وتل أبيب محاوره، إلى إقليم تحاول قواه الكبرى صناعة توازناتها بنفسها. وهنا تحديداً يمكن فهم القلق “الإسرائيلي”؛ ليس لأنّ الاتفاق أعلن “إسرائيل” عدواً، بل لأنّ المنطقة قد تتعلّم تدريجياً كيف ترتب أمنها ومصالحها من دون “إسرائيل”، وأحياناً على حساب نفوذها…
لقد أصبح السؤال بعد أبو الظهور بسيطاً: هل يفرض الحلف الثلاثي معادلة إقليمية جديدة، أم يكتفي بالتعايش مع المعادلة الإسرائيلية؟ إذا لم تظهر آثار عملية للحلف، تكون “إسرائيل” قد نجحت في تثبيت ادعائها بأن لا دولة منفردة ولا تحالف إقليمياً، حتى لو ضم دولة نووية، يستطيع وضع حد لحركتها أو إلزامها بحدود أمن قومي تقف عند حدودها المعترف بها.
الحلف الإقليمي الذي لا يثبت وجوده في تغيير قواعد الردع والاشتباك مع “إسرائيل” يكون قد ولد ميتاً؛ لأن لا شرعية لأي حلف في المنطقة لخوض أي حرب ما لم يتعمد بحضوره في ميدان الوقوف بوجه الغول الإسرائيلي، خصوصاً في الساحات المحسوبة على دوله مباشرةً.