مع انتهاء تفويض اليونيفيل.. لبنان إلى أين!


بقلم: د. فريد اسماعيل
يرتفع منسوب القلق في الشارع اللبناني وتزداد معه هواجس الفراغ الأمني في الجنوب مع اقتراب الموعد المحدد لانتهاء تفويض قوات الأمم المتحدة المؤقتة(اليونيفيل) الموكلة بمهمة حفظ السلام، ليدخل هذا الملف مرحلة دقيقة تعكس البعد الأمني الخطير في ظل ضغوط امريكية وإسرائيلية، مقابل تمسك لبناني واضح باستمرار الوجود الدولي والانفتاح على اي مقترح بديل يضمن تواجد دولي او اممي. ويستند لبنان في موقفه واصراره على التواجد الدولي إلى حقيقة أن الأوضاع اليوم في لبنان والمنطقة أكثر تعقيدا مما كانت عليه عام ١٩٧٨ حين تم تشكيل اليونيفيل التي توسعت مهامها بعد حرب ٢٠٠٦ بموجب القرار ١٧٠١ والذي كلفها بمراقبة وقف إطلاق النار ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، حيث شكلت هذه القوة الدولية آلية أساسية للحد من التصعيد عبر دوريات ميدانية يومية ( برية ،راجلة، جوية بالمروحيات ) على طول الخط الأزرق، وإقامة أكثر من مئة مركز مراقبة لمتابعة أي خرق أمني أو عسكري، وإنشاء آلية اتصال ثلاثية مع الطرفين الإسرائيلي واللبناني إضافة الى مرافقة الجيش اللبناني وتنسيق العمليات المشتركة مثل نقاط التفتيش، والقيام بتدريبات ومناورات عسكرية مشتركة لتعزيز قدرات الجيش. ورغم محدودية فعاليتها في ظل بيئة أمنية حساسة ومعقدة، إلا أنها أصبحت مع جزءًا من حياة اللبنانيين في المناطق الحدودية من خلال تسهيل وصول المساعدات الإنسانية عبر القوافل وتأمين مرورها الآمن، ودعم المستشفيات المحلية مثل مستشفى تبنين الحكومي بمعدات طبية وغرف طوارئ، اضافة الى إصلاح شبكات المياه التي تخدم عشرات البلدات والقرى الجنوبية، كما عملت على خلق بيئة أكثر أمانا للمدنيين في مناطق انتشارها حيث عملت فرق الهندسة التابعة لها على ازالة آلاف الألغام والقنابل العنقودية التي خلفتها الحروب، وتعاملت مع تهديد الذخائر غير المنفجرة التي كانت تشكل خطرا على المدنيين. في ذات الوقت، لم تكن اليونيفيل قادرة على منع الخروقات الإسرائيلية الجوية والبرية، وكانت تعتمد على موافقة الأطراف المتنازعة لتنفيذ مهامها بسبب محدودية صلاحياتها، ولم تكن تملك لا القدرة ولا التفويض لمواجهة أي اعتداء او احتلال مباشر.
اليوم، ومع تغير الوقائع على الأرض، حيث يشكل الجنوب اللبناني منذ منتصف عام ٢٠٢٦ مسرحا لتطورات خطيرة أعادت فيه إسرائيل فرض وجود عسكري مباشر في مناطق واسعة من الجنوب اللبناني تحت ذريعة ( المناطق الأمنية ) ، ما فرض واقعا أمنيا جديدا تقوم خلاله إسرائيل بتفجير البلدات والقرى على غرار ما فعلته في قطاع غزة وتحديدا في رفح ، لمنع أي إمكانية لعودة السكان مستقبلا، وإعادة إنتاج مفهوم الحزام الأمني وممارسة أكبر قدر من الضغط السياسي بهدف فرض شروط على لبنان في ملفات استراتيجية أبرزها سلاح حزب الله، والتنسيق الأمني معها. لذلك، وفي ظل هذا الواقع، فإن انسحاب اليونيفيل من لبنان سيترك فراغا امنيا خطيرا، ما يجعل تشكيل قوة بديلة تحت مظلة الأمم المتحدة ضرورة ملحة.
الجهود اللبنانية الرسمية حاليا تركز على منع هذا الفراغ الأمني بعد انسحاب قوات اليونيفيل نهاية العام، عبر اتصالات مكثفة مع الولايات المتحدة الأمريكية وعواصم أوروبية لطرح بدائل مثل قوة متعددة الجنسيات أو بعثة أوروبية بتفويض خاص بهدف ضمان استمرار الحضور الدولي لمواكبة انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة. ورغم أن بيروت حاولت تمديد وجود اليونيفيل بصيغة جديدة، إلا ان الاتجاه الدولي وتحت تأثير الموقف الامريكي والإسرائيلي الحازم برفض التمديد، أبقى على موقفه بإنهاء مهمة اليونيفيل بصيغتها الحالية. عندها، عمد لبنان إلى تقديم مقترح آخر مدعوم من بعض الدول الأوروبية يهدف الى تشكيل قوة جديدة تحت راية الأمم المتحدة بمهام أوسع من مجرد المراقبة، تشمل التحقق من خلو المناطق من أي سلاح خارج سلطة الدولة. كما اقترحت ألمانيا وفرنسا وايطاليا تشكيل قوة أوروبية بديلة بتفويض من الاتحاد الأوروبي تعمل على ضمان الاستقرار ومنع عودة التوترات خصوصا مع استمرار وجود قوات إسرائيلية في أجزاء واسعة من الجنوب.
يعتمد لبنان في جهوده هذه على حقيقة أن الجنوب لا يمكن ان يبقى بلا حضور دولي يمنح الجيش اللبناني غطاءا سياسيا وأمنيا لمواصلة الانتشار والسيطرة، إضافة الى ان بيروت تخشى من أن الفراغ الدولي في حال حدوثه، يمكن أن يخرج لبنان من دائرة الاهتمام الدولي، ويقلص من حجم الضغوطات على إسرائيل ويمنحها الفرصة لتصعيد عدوانها وتوسيع عملياتها في الجنوب.
إسرائيل من جهتها ترفض استمرار اليونيفيل أو وجود أي قوة بديلة لأنها تعتبر أن وجود قوات دولية يقيد حرية عملها العسكري ضد حزب الله. فقد وصفت تقارير إسرائيلية اليونيفيل بأنها عاجزة عن منع حزب الله من بناء بنية عسكرية واسعة جنوب الليطاني بما في ذلك الانفاق والاسلحة المخزنة داخل القرى وترى بأن القوة الدولية لم ترصد هذه التحصينات، بل ان وجودها اعاق أحيانا عمليات الجيش الإسرائيلي، كما أنها تعتبر أن اي قوة بديلة تعمل وفق مبادئ الحياد ستحد من قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية استباقية ضد حزب الله. لذلك ترفض بقاء او استبدال اليونيفيل بقوة جديدة لأن تغير الاسم او الشعار لن يغير من طبيعة القيود المفروضة عليها. وقد ذكر مسؤولون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأنه من الأفضل لإسرائيل التنسيق المباشر مع الجيش اللبناني عبر وساطة امريكية بدلا من وجود أي قوة دولية لأن ذلك يخدم مصالحها الأمنية، إذ انها تخشى من أن الوجود الدولي سيمنح لبنان غطاء دوليا يقيد إسرائيل ويمنعها من فرض ترتيباتها الأمنية بالقوة.
الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الجنوب سيشهد هندسة قوة جديدة متعددة الجنسيات أو ترتيبات أوروبية خاصة، أو الاكتفاء بآلية مراقبة انتقالية، أو احتمالات أخرى تتأرجح بين الجنون الإسرائيلي وارتدادات التجييش والاحتقان في الداخل اللبناني.