فلسطين في معركة الإعلام


فلسطين في معركة الإعلام.. ليست جولة تصعيد بل امتحان للعدالة والمصداقية
بقلم: خليل حمد
تتصدر أخبار استئناف الحرب الأمريكية على إيران، واستمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، عناوين وسائل الإعلام العالمية، بل وتفرضها وسائل التواصل الاجتماعي على متصفحيها فرضاً، بمنطق “اقتراحات قد تعجبك”. ففي الإعلام كما في السياسة، لا يكفي أن تكون المأساة مستمرة كي تبقى في صدارة الاهتمام.
عصر السرعة الذي يعيشه العالم فرض إيقاعاً متتالياً من الأزمات المتلاحقة، وكل حرب جديدة تنتزع مساحة من الاهتمام كانت تشغلها قضية أخرى.
وهكذا، ومع تصاعد إيقاع الحرب في المنطقة، سواء التي استأنفتها الولايات المتحدة على إيران، أو تلك التي لم يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن شنها على لبنان، بدا وكأن فلسطين تخسر معركة لا تُخاض على الأرض هذه المرة، بل على شاشات التلفزة أو الهواتف المحمولة، والصفحات الأولى للصحف. ليس لأن الاحتلال في فلسطين انتهى، ولا لأن معاناة الفلسطينيين تراجعت، بل لأن الإعلام بطبيعته يبحث عن الحدث الأكثر سخونة وقدرة على جذب الانتباه، والأوسع تأثيراً على المصالح الدولية، وهو التوصيف الدقيق للمخاض الذي تعيشه المنطقة اليوم.
المشكلة هنا تكمن في طريقة التعاطي مع هذه الحروب الأحدث والأكثر تشويقاً (على أهميتها واتساع رقعة تأثيرها) وكأنها حدث مستقل بذاته، بدلاً من التعاطي معها كنتيجة طبيعية للاحتلال الجاثم على أرض فلسطين العربية منذ 78عاماً، فالقضية الفلسطينية ليست تفصيل ضمن مشهد إقليمي متشابك، أو هامش في قصة أكبر، بل هي القصة الأكبر بذاتها، وما تزال واحدة من القضايا الأكثر تأثيراً في استقرار المنطقة وفي مسار السياسة الدولية بشكل عام.
بمعنى آخر، ما كان استهداف إيران ليتم لولا أن الإسرائيلي يريد أن تستقر له المنطقة عموماً، وقرر البدء مع الأمريكي باستهداف القوى الأخطر والأكبر إقليمياً، وما كان ليتم استهداف لبنان لولا أن مشروع “إسرائيل الكبرى” عاد إلى دائرة الضوءً إبان حرب الإبادة على قطاع غزة، وإن كان ذلك هو الأعنف، إلا أنه سياق تاريخي إجرامي يتبارى فيه الأمريكي والإسرائيلي.
التاريخ نفسه إذاً، يُثبت أن الاهتمام الإعلامي لا يسير دائماً وفق معيار العدالة بل وفق منطق الخبر، وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها وإدراكها وفهمها وليس انتقادها فقط. بل ويفترض عدم الاستسلام لها، والاستفادة من الفرص السانحة لإعادة القضية إلى العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام العربية والعالمية. إحدى تلك الفرص تقول إن فلسطين لم ولن تموت هي الأعلام الفلسطينية التي زينت كأس العالم، والهتافات التي حملها وتبناها كثير من اللاعبين والجماهير في الملاعب الكبرى المخصصة لهذا الحدث العالمي.
عدم الاستسلام يعني أيضاً إعادة التفكير في أدوات الخطاب الإعلامي الذي يُقدم عن القضية، وعدم الاكتفاء بالحنين لمن الذي كانت فيه القضية تتصدر العناوين تلقائياً. بمعنى آخر، فالعالم لم يعد ينتظر البيانات الرسمية بكلماتها المنمقة، ولم يعد يحتمل الاكتفاء بردود الأفعال الموسمية التي تتسبب وتيرتها المتباعدة بجعل القضية حاضرة فقط عندما يفرض الحدث نفسه، وهذه البيانات نفسها مسؤولة عن تغييب القضية مع غياب الحدث أو بروز أزمة جديدة.
العالم اليوم يتفاعل مع العمل الحقيقي والطروحات الفعلية التي تسعى لتحريك القضية نفسها والبحث عن حلول لرأب الصدوع التي أصابتها، أو تفكيك العقد التي أوقفت مسارها.
تحريك القضية وليس تفعيل الإعلام حولها. القضية هي التي يجب أن تكون جوهر أي حراك، وهذا كفيل بأن يجعلها تعود إلى صدارة الأنباء العالمية والخوارزميات الرقمية.
الانتخابات الفلسطينية المقبلة قد تكون حدثاً من هذا النوع وبهذا الحجم، حدث كفيل إذا ما تم تنفيذه بالرؤية الموضوعة أن يعيد القضية الفلسطينية إلى تصدُّر المشهد الإعلامي العالمي “طواعية” وليس فرضاً. أي حوار فلسطيني – فلسطيني سيؤدي نفس الغرض بكل تأكيد، وكلمة السر في أي حراك هي القضية نفسها وليس ظلها الإعلامي الذي يجب أن يكون نتيجة ضمن السياق يُبنى عليها للوصول إلى حلول، وليس هدفاً بحد ذاته.
ومعرفة أدوات ووسائل التأثير مهمة في سياق طريقة طرح القضية أيضاً. يتفاعل العالم اليوم مع الصور والشهادات الإنسانية والقصص التي تمس وجدانه والبيانات الموثقة التي تصمد أمام التدقيق. وقواعد التأثير أصبحت أكثر مرونة اليوم، فصحفي مستقل يحمل هاتفاً ذكياً قد يصل إلى ملايين المتابعين خلال ساعات، وفيلم وثائقي قصير يمكن أن يترك أثراً يفوق عشرات المؤتمرات.
ولعل التحدي الأكبر اليوم يكمن في استعادة المبادرة في صياغة الرواية. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى منافسة المآسي الأخرى، ولا إلى التقليل من خطورة ما يجري في لبنان أو غيرها من بلدان المنطقة، بل تحتاج إلى خطاب إعلامي قادر على تأكيد أن تعدد الأزمات لا يلغي إحداها، وأن الاهتمام بحرب لا ينبغي أن يكون على حساب تجاهل أخرى. بمعنى آخر أن معركة فلسطين في المرحلة المقبلة ستخوض معركة حقيقة على الذاكرة العالمية، والبقاء حاضرة في الوعي العام، كأساس للبقاء على طاولة النقاش والقرار على المستوى العالمي.
في الخلاصة: إن إعادة فلسطين إلى مركز الاهتمام ليست مسؤولية الإعلام وحده، بل مسؤولية كل من يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة، وتوثيق الوقائع، وصناعة محتوى مهني يخاطب العالم بلغته، ويقدم القضية باعتبارها قضية إنسان وحقوق وقانون، لا عنوان يتكرر مع كل جولة تصعيد.
وفي الخلاصة أيضاً: يتجه الإعلام إلى القضية الطارئة والأكثر سخونة، ويسلط الضوء عليها بوصفها “الحدث” الذي يجذب المشاهدين، لكن القضايا العادلة لا تُقاس بعدد ساعات البث المباشر، بل بقدرتها على البقاء في الضمير الإنساني العالمي، وإن أصالة ومصداقية الإعلام، أي إعلام، تكمن في استمراره بدعم قضايا الشعوب المظلومة، ونصرة الحق، والدفاع عن الضحايا في وجه القاتل كائناً مَن كان. بهذا المعنى فإن فلسطين هي المحك الحقيقي الذي يترجم حقيقة مبادئ الصحافة النبيلة، والبوصلة التي يجب أن تكون مقياساً لأي جمهور في اختيار مصادره، لأن العالم لا يجوز أن يعتاد على بقاء الظلم لمجرد أن القضية مرَّ عليها الزمن.