الصين حجر رحى النظام الدولي الجديد


بقلم: حسين ذياب أبو سليم
يرى البعض أن الصين لم تعد تُعرَّف فقط بوصفها دولة يقودها الحزب الشيوعي الصيني، بل بات ينظر إليها بوصفها «حزب الحضارة الصينية»، نظراً لارتكاز مشروعها على إرث حضاري عميق الجذور، طويل المدى، وإذا كانت روسيا تشبه الإعصار العنيف في تأثيرها السياسي والاستراتيجي، فإن الصين تشبه التغير المناخي؛ الذي قد لا يلحظ أثره بصورة مباشرة، لكنه عميق ومتراكم وشديد التأثير.
فالصين توسّع معادلات القوة والنفوذ من خلال الاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية أكثر مما تعتمد على الأيديولوجيا، وتتمثل التحولات العملية الراهنة في الصراع القائم بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية حول النفوذ والسيادة والريادة والقيادة والمكانة الدولية، فيما في عالمنا العربي، فما زلنا نواجه مشكلة بنيوية عميقة تعيق قدرتنا على التأثير في مجريات النظام الدولي.
وفي المشهد العالمي يمكن التمييز بين مجموعتين أساسيتين هما: القوى الفاعلة وتضم الصين، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الاتحاد الأوروبي، وبخاصة ألمانيا. ومجموعة القوى المنفعلة أو الأقل تأثيراً وتضم: أفريقيا. العالم العربي والإسلامي. الهند. أمريكا الجنوبية.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا بعد الحروب والصراعات الراهنة؟ وما مستقبل النظام العالمي؟
وتشير تقديرات العديد من خبراء العلاقات الدولية والنزاعات إلى أن النظام الدولي الحالي يشهد حالة من التآكل التدريجي، وأن مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية تقترب من نهايتها، والسؤال المركزي هنا: من سيكون الوريث؟ وفي ضوء الإجابة على ذلك تُطرح عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها:
- نظام ثنائي القطبية. يقوم على تنافس بين الصين والولايات المتحدة، وهنا يستحضر البعض مقولة المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي: «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد لم يولد بعد»، فهناك كتلة صينية آخذة في التشكل، في مقابل كتلة أمريكية، بما يشبه إلى حد ما أجواء الحرب الباردة السابقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ويرى بعض المحللين أن هذا النموذج قد يكون أكثر وضوحاً وأسهل في الإدارة والتعامل من واقع الهيمنة الأحادية.
- نظام متعدد الأقطاب: ويضم الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا وغيرها من القوى الصاعدة. وفي هذا النموذج تصبح إدارة العلاقات الدولية أكثر تعقيداً نتيجة تعدد مراكز القوة وتشابك المصالح والتوازنات.
- نظام الفوضى الدولية:وهو سيناريو يشبه إلى حد ما مرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث تتراجع القواعد الناظمة للعلاقات الدولية وتزداد حدة الصراعات والتنافسات.
- التعددية القطبية السائلة:ويقوم هذا التصور على غياب الثبات في التحالفات والأقطاب، بحيث تشهد العلاقات الدولية تغيرات مستمرة وإعادة تشكيل متواصلة لموازين القوى والتحالفات.
وفي سياق التطورات الراهنة، يرى بعض المراقبين أن الولايات المتحدة وإسرائيل أشعلتا فتيل الحرب، الأمر الذي انعكس سلباً على صورة الولايات المتحدة وهيبتها الدولية، وأوقعها في تعقيدات الجغرافيا السياسية، كما عزز الموقع الجيوسياسي لمضيق هرمز أهميته الاستراتيجية، ما دفع عدداً من الدول الإقليمية إلى البحث عن بدائل وممرات تجارية ونقل برية وبحرية تقلل من الاعتماد على هذا المضيق الحيوي وتحد من المخاطر المرتبطة به.