أقلام وآراء

حرب الألف يوم والانتخابات الفلسطينية

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

أيام قليلة تفصلنا عن مرور ألف يوم على حرب الإبادة والتجويع والتهجير في قطاع غزة، وبالتوازي معها الحرب التي سبقتها في الضفة الغربية منذ تسلّم حكومة اليمين القومي والديني والفاشيين الجدد، بقيادة الثلاثي نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، السلطة في دولة الاحتلال.

وإن كان الخيط الناظم لهذه الحرب على الجبهتين هو منع قيام دولة فلسطينية وإنهاء

“حل الدولتين” المتفق عليه دولياً على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فإن حماية المشروع الوطني الفلسطيني، في المقابل، كانت الخيط الناظم لجهود القيادة الرسمية الفلسطينية في مواجهة قرار المغامرة والمقامرة الذي اتخذته حركة حماس، بما مسّ مصير الشعب الفلسطيني ومستقبله وقضيته الوطنية.

والأمر الذي لا يحتاج إلى كثير من التفسير أو المحاججة هو ما وصلنا إليه في قطاع غزة من فرض الوصاية الدولية عليه، والتي، رغم أن سقف القرار الدولي حدد بعامين، فإنه مع تأخر تطبيق القرار لأكثر من ستة أشهر، وتعثر عملية التمويل، ودخول قوات الاستقرار الدولية، وانتقال اللجنة الوطنية الفلسطينية لتسلّم زمام السلطة في قطاع غزة، فإن هذا الوقت المستقطع، الذي يحسب من عمر معاناة شعبنا في غزة والضفة الغربية، يرافقه خطر تمديد المرحلة الانتقالية إلى أجل غير محدد، وما ينطوي عليه ذلك أيضاً من مخاطر فصل قطاع غزة عن سائر أرض دولة فلسطين، المتمثلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهو ما لا يمكن استبعاده في ظل الترتيبات الجارية في المنطقة وما تنطوي عليه من ثلاثة محددات رئيسية:

الأولى: نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية، التي استبعدت منها إسرائيل، وسقطت معها أحلام نتنياهو بصياغة شرق أوسط جديد، بما ينطوي عليه من نظام أمني إقليمي تصبح فيه إسرائيل اللاعب الرئيس، إن لم تكن المقرر، وبالتالي يفتح أمامها المجال ليس فقط لبسط النفوذ والهيمنة، وإنما أيضاً لفرض الاتفاقيات الإبراهيمية على الدول التي وضعت شروطاً ومحددات للانضمام إليها، بخلاف الدول التي انضمت إليها استجابة للمطلب الأمريكي أو طوعاً، بناءً على أوهام استخدام القوة الإسرائيلية لردع إيران عن الاعتداء عليها.

وإلى حين انتهاء المفاوضات، التي قد تتجاوز المدة المقررة البالغة ستين يوماً، وما قد ينجم عنها من ترتيبات إقليمية، فإن نتنياهو، الذي اضطر مرغماً إلى وقف الحرب في لبنان تحت الضغوط الأمريكية أملاً في التوصل إلى اتفاق سلام مع العهد الجديد في لبنان، ليضيفه إلى ما تبقى له من رصيد قبل الانتخابات في نهاية أكتوبر المقبل، فإن المساحة المتروكة له في استخدام ورقة غزة أكبر بكثير من لبنان، كما أن أهميتها أكبر أيضاً في ظل الادعاء بتضخيم قوة حماس، ونزع سلاحها، والاستمرار في العمليات العسكرية، لعلها ترفع من حظوظه في استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي.

الثانية: الانتخابات الإسرائيلية في نهاية أكتوبر المقبل، والتي تشير مجمل الاستطلاعات إلى تعمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بين الكتل الثلاث الكبرى، فكتلة الائتلاف الحاكم بقيادة الثلاثي نتنياهو وبن غفير وسموتريتش لم تتجاوز، في أفضل حالاتها، اثنين وخمسين مقعداً، فيما تجري المتغيرات في موازين القوى داخل الكتلة نفسها، بنمو أو تراجع أي من مكوناتها على حساب الآخر، وليس على حساب الكتل الأخرى.

أما كتلة المعارضة، فإن القاسم المشترك الأعظم بين أطرافها هو إسقاط نتنياهو وحكومته، بصرف النظر عن التباينات المتعلقة بالأوضاع الداخلية، بما في ذلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق والحريات، وكذلك فيما يتصل بالسلام والأمن مع الفلسطينيين، باعتبار ذلك أيضاً قضية داخلية تمس الأمن القومي الإسرائيلي.

لكن الواضح من مجمل القراءات أن كتلة نتنياهو وشركاءه، تحت كل الظروف، لن تعود إلى الحكم، رغم دعوته إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهذه الدعوة لم تقابل بالرفض فقط، وإنما بالازدراء والسخرية من قبل المعارضة بمختلف أطيافها، والتي هي أيضاً، في أفضل أحوالها، لم تتجاوز تسعة وخمسين مقعداً، ما يجعلها أمام خيار وحيد، وهو التحالف مع أحد أطراف الكتلة العربية الفلسطينية، ممثلة بالقائمة الموحدة برئاسة منصور عباس، الذي يقدم نفسه شريكاً، سواء بصورة مباشرة أو عبر توفير شبكة أمان للحكومة الائتلافية المقبلة.

بيد أن ذلك، رغم أهميته في الاعتراف بالثقل والوزن العربي الفلسطيني، يجب أن يتعزز في الحياة السياسية والمجتمعية الإسرائيلية من خلال تقوية الوحدة بين المكونات السياسية العربية، وتحفيز الجمهور على المشاركة في الانتخابات، وصولاً إلى كتلة مانعة ومؤثرة في تشكيل أي حكومة إسرائيلية مقبلة.

الثالثة: انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأمريكية مطلع نوفمبر المقبل، والتي تشير مؤشراتها بوضوح إلى أن الحزب الجمهوري لن يستطيع المحافظة على أغلبيته في كلا المجلسين، لكن الأهم من ذلك هو التقدم الكبير لأنصار الحق الفلسطيني من المرشحين على قوائم الحزب الديمقراطي، ولا سيما من الاشتراكيين الديمقراطيين، ونجاحهم في المنافسات الداخلية وانتزاعهم حق الترشح باسم الحزب في ولايات متعددة، رغم الضغوط والتمويل الذي تقدمه لجنة “إيباك” لمرشحين محسوبين على اللوبي الصهيوني الأمريكي.

وإذا ما تحقق ذلك بالفعل، فإن قدرة الإدارة الأمريكية الحالية على ممارسة السياسات ذاتها، داخلياً وخارجياً، ستكون أكثر تقييداً، وستواجه عراقيل من قبل أغلبية المشرعين في كلا المجلسين.

إن قراءة هذه المحددات ليست مسألة تقنية، بل هي في جوهرها ومضمونها سياسية، وتهدف إلى تحديد المسار السياسي الذي يحافظ على مشروعنا الوطني ويدفع باتجاه تجديده وإعادة بناء شرعيته وفقاً للمصلحة الوطنية الفلسطينية، وليس استجابة لضغوط خارجية، بل باعتباره استحقاقاً وطنياً داخلياً وحقاً أصيلاً للمواطنين الفلسطينيين في اختيار قيادتهم وممثليهم عبر صناديق الاقتراع، وليس ثمة طريق آخر لتجديد بنية النظام السياسي الفلسطيني.

كما أن الانتخابات ليست قضية تقنية، بل هي في جوهرها اشتباك سياسي مع الاحتلال الساعي إلى تقويض النظام السياسي الفلسطيني وشرعيته، ومن جهة أخرى تعبير عن قدرتنا على الإمساك بزمام المبادرة، والمضي قدماً في إنجاز جميع التحضيرات اللازمة لإنجاح هذا المسار الديمقراطي التجديدي، وتحميل المجتمع الدولي والأشقاء العرب، ممن تحملوا مسؤولية دعم الشرعية الفلسطينية، مسؤولية توفير الظروف والبيئة الحاضنة لإنجاح هذا الخيار الديمقراطي، الذي يحافظ على وحدة الشعب والأرض والنظام السياسي الفلسطيني، ويشكل المدخل الوحيد لإنهاء الانقسام ووضع حد لحالة الفصل عبر صناديق الاقتراع، باعتبارها المدخل الوحيد للشراكة والمشاركة السياسية، ولا طريق غير ذلك إلا لمن يبحث عن مصالحه الحزبية الضيقة، التي لن تكون نتائجها سوى التساوق مع الانقسام، أو، في أحسن الأحوال، تأبيد الوضع القائم، الذي لا نتيجة له سوى شطب مشروعنا الوطني في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى