أقلام وآراء

مأزق سياسي مفتوح بين غياب الإرادة وإعادة إنتاج الأزمة

 

بقلم: محمد علوش

يشكّل الانقسام الفلسطيني الممتد منذ سنوات طويلة أحد أخطر التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني في واحدة من أكثر لحظاته التاريخية حساسية وتعقيداً، حيث تتقاطع حرب الإبادة والعدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني مع مشروع أمريكي – إسرائيلي يسعى إلى إعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي والحقوقي بما يخدم أهداف التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، وفي هذا السياق، تبدو المفارقة صارخة بين حجم التضحيات الفلسطينية الهائلة وبين العجز المستمر عن تحويل هذه اللحظة الكارثية إلى لحظة وحدة وطنية جامعة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتمنحه القدرة على الصمود والمواجهة.

فلم تنجح المجازر المتواصلة، ولا تصاعد إرهاب المستوطنين، ولا سياسات حكومة الاحتلال القائمة على القتل والتدمير والتهجير، في دفع الأطراف الفلسطينية نحو إعادة صياغة جادة للعلاقة فيما بينها، بل على العكس، ما زال الانقسام يفرض حضوره بوصفه حالة سياسية قائمة ومتجذرة، تتجدد بأشكال مختلفة وتعيد إنتاج نفسها كلما بدا أن هناك فرصة لتجاوزه، وهذا الواقع لم يعد مجرد خلاف سياسي أو اختلاف في الرؤى، بل تحول إلى بنية سياسية مكتملة لها أدواتها ومؤسساتها ومصالحها، بحيث أصبح من الصعب التعامل معه كمرحلة عابرة أو أزمة يمكن تجاوزها ببيان أو تفاهم محدود.

لقد أثبتت التجربة أن كل مسارات الحوار الوطني التي جرت خلال السنوات الماضية لم تصل إلى نتائج حقيقية قادرة على إنهاء الانقسام، بل بقيت في معظمها محكومة بمنطق إدارة الأزمة لا حلها، وحتى اللقاءات التي رعيت في أكثر من عاصمة، بما في ذلك تلك التي عقدت في بكين، لم تفض إلى تطبيق فعلي ومستدام لما تم التوافق عليه، ما يعكس غياب الإرادة السياسية الجدية لدى الأطراف المختلفة للانتقال من مربع الانقسام إلى مربع الوحدة، ومن هنا فإن المشكلة لا تكمن في غياب الوساطات أو المبادرات، بل في غياب القرار الوطني الفلسطيني الموحد القادر على فرض مسار سياسي جديد يعيد بناء النظام السياسي على أسس جامعة.

وفي هذا السياق، لم تسهم الاصطفافات والتحالفات السياسية التي تشكلت في أكثر من محطة إقليمية، بما فيها اللقاءات التي جرت في مصر، في معالجة جوهر الأزمة، بل في كثير من الأحيان أعادت إنتاجها بصيغ مختلفة، حيث طغت الحسابات الفصائلية والاعتبارات الضيقة على المصلحة الوطنية العامة، وتحول الانقسام من حالة طارئة إلى واقع يتم التكيف معه وإدارته بدلاً من تجاوزه، وهكذا باتت العملية السياسية الفلسطينية تدور في حلقة مغلقة، حيث يتم الحديث عن الوحدة في الخطاب، بينما يتم ترسيخ الانقسام في الممارسة.

وفي موازاة ذلك، تعيش منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الإطار الوطني التاريخي الجامع، حالة من التراجع في دورها ووظيفتها التمثيلية، نتيجة غياب التفعيل المؤسسي الحقيقي وتراجع آليات المشاركة والتجديد، وهذا الأمر جعلها بحاجة ملحة إلى إعادة بناء شاملة لا تقوم على التوظيف السياسي أو الاستخدام الظرفي، بل على إعادة الاعتبار لدورها التمثيلي الوطني، من خلال تفعيل مؤسساتها، وإعادة هيكلة هيئاتها، وتجديد دمائها السياسية، بما يضمن استعادة مكانتها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده.

إن استمرار هذا الواقع يطرح بشكل جدي مسألة جدوى الحوارات التقليدية والشعارات المتكررة حول الوحدة الوطنية، في ظل غياب النتائج الفعلية على الأرض، ومن هنا تتعاظم الحاجة إلى الانتقال نحو مسار سياسي مختلف يقوم على إعادة إنتاج النظام السياسي الفلسطيني برمته، وفي مقدمة ذلك الذهاب إلى الانتخابات العامة باعتبارها المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء الشرعية السياسية وتجديدها على أسس ديمقراطية، تتيح للشعب الفلسطيني أن يقرر خياراته بعيداً عن التجاذبات الفصائلية والتفاهمات الجزئية.

إن الانتخابات ليست مجرد إجراء تقني أو محطة إجرائية، بل هي عملية سياسية عميقة تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني وتمنحه شرعية جديدة، شريطة أن تجرى في بيئة سياسية وقانونية تضمن حرية المشاركة، وتكافؤ الفرص، واحترام النتائج، والالتزام بها من جميع الأطراف، وبدون ذلك، ستبقى العملية السياسية تدور في دائرة مغلقة تعيد إنتاج الأزمة ذاتها بدل حلها.

إن الانقسام الفلسطيني لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل أصبح أحد أبرز عوامل إضعاف المشروع الوطني في مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي، ومع استمرار هذا الواقع، تتعمق الفجوة بين حجم التحديات التاريخية التي تواجه الشعب الفلسطيني وبين قدرة النظام السياسي على الاستجابة لها، ومن هنا فإن اللحظة الراهنة تفرض سؤالاً وجودياً لا يمكن الهروب منه: إما إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية ووحدوية شاملة، أو الاستمرار في إدارة الانقسام بما يعنيه ذلك من استنزاف متواصل للمشروع الوطني برمته، في لحظة تاريخية لا تحتمل المزيد من التشتت أو التأجيل.

زر الذهاب إلى الأعلى