أقلام وآراء

الشرعية الوطنية في مواجهة رهانات الانقسام

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

تواجه القضية الفلسطينية اليوم واحدة من أكثر مراحلها خطورة وتعقيداً، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني وما خلّفه من دمار واسع وكارثة إنسانية غير مسبوقة، بالتوازي مع حراك سياسي وإقليمي ودولي متسارع يسعى إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في قطاع غزة وتحديد طبيعة الترتيبات السياسية والأمنية والإدارية لليوم التالي للحرب.

وفي هذا السياق، تتواصل اللقاءات والحوارات الفلسطينية التي تستضيفها وترعاها القاهرة وسط نقاشات تتناول ملفات وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، ومستقبل الحكم والإدارة في قطاع غزة، وقضايا الأمن والتمثيل السياسي، غير أن جوهر القضية لا يكمن في تفاصيل هذه الترتيبات، بل في الحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية ووحدة التمثيل السياسي، وصون القرار الوطني المستقل في إطار الشرعية الوطنية الفلسطينية.

ولم تعد هذه النقاشات مقتصرة على معالجة التداعيات الإنسانية للحرب، بل تجاوزت ذلك إلى البحث في شكل الواقع الفلسطيني المقبل، وطبيعة المؤسسات التي ستدير قطاع غزة، وموقع القوى والفصائل الفلسطينية في المرحلة القادمة، ومن هنا تكتسب هذه الحوارات أهمية استثنائية، لأنها تتصل بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمته، لا بمجرد إدارة مرحلة انتقالية أو معالجة آثار الحرب.

وخلال الأشهر الماضية، برزت مجموعة من المبادرات والتصورات التي طرحت تحت عناوين إنهاء الحرب وتخفيف المعاناة وإعادة إعمار قطاع غزة، وفي مقدمتها الرؤية الأمريكية خطة الرئيس ترامب لمستقبل القطاع، وما رافقها من مقترحات لأطر انتقالية وآليات دولية وإقليمية تجسدت بقرار مجلس الأمن 2803 لإدارة المرحلة المقبلة، إلى جانب آليات تتعلق بتشكيل هيئات أو مجالس مؤقتة لإدارة الشؤون المدنية والأمنية، فضلاً عن تشكيل لجنة وطنية لإدارة قطاع غزة، وأدوار يجري الحديث عنها لبعض الشخصيات والمبعوثين الدوليين، وفي مقدمتهم نيكولاي ملادينوف كمفوض سامي.

كما ارتبطت هذه التصورات بنقاشات أوسع حول ما يعرف بـ «مجلس السلام» وآليات الإشراف على المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى تمكين المؤسسات الفلسطينية من تولي مسؤولياتها تدريجياً، وبغض النظر عن المواقف من هذه الطروحات، فإنها باتت جزءاً من المشهد السياسي القائم ومن النقاشات الجارية حول مستقبل القطاع واليوم التالي للحرب.

غير أن المعيار الوطني في تقييم أي مبادرة يجب ألا يقاس بالأسماء أو الجهات الراعية، بل بمدى مساهمتها في حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية وتعزيز وحدة النظام السياسي وتمكين المؤسسات الشرعية من أداء دورها، فالقضية الفلسطينية ليست أزمة إدارة أو ترتيبات تقنية، بل قضية تحرر وطني لشعب ما زال يناضل من أجل إنهاء الاحتلال وتجسيد دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وبغض النظر عن اختلاف المواقف، فإن الاحتلال يسعى إلى استثمار نتائج الحرب لفرض وقائع سياسية وجغرافية وأمنية جديدة، بما ينسجم مع أهدافه لإضعاف المشروع الوطني وإبقاء الشعب الفلسطيني في حالة انقسام دائم، ولذلك فإن أي مقاربة مسؤولة للمرحلة المقبلة يجب أن تنطلق من قراءة واقعية لموازين القوى والتحولات الإقليمية والدولية، بعيداً عن الأوهام والحسابات التنظيمية الضيقة والبحث عن دور ضائع.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه جولات الحوار، يبرز تساؤل مشروع حول مدى قدرتها على التأثير في مجرى الأحداث، في ظل استمرار الاحتلال بفرض وقائع جديدة على الأرض، فقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كثيراً ما استغلت مسارات التفاوض لكسب الوقت وتعزيز وقائعها الميدانية، بينما انشغل الفلسطينيون بالخلافات الداخلية وتعدد المرجعيات.

وما يثير القلق هو أن بعض القوى ما زالت تتعامل مع المرحلة بعقلية المناورة أو الرهان على ترتيبات خاصة تحفظ هيمنتها مجدداً على قطاع غزة خارج التوافق الوطني والشرعية الفلسطينية، غير أن المتغيرات الراهنة تؤكد أن القضية لم تعد تتعلق بأدوار فصائلية، بل بمصير شعب وقضية تواجه تحديات وجودية.

ومن هنا، فإن مستقبل قطاع غزة ليس شأناً فصائلياً، بل قضية وطنية بامتياز، تشمل الحكم والإعمار والأمن والتمثيل السياسي، ويجب أن تدار ضمن إطار وطني جامع يستند إلى الشرعية الوطنية الفلسطينية وحكومتها ومؤسساتها المعترف بها.

لقد أثبتت تجربة الانقسام منذ عام 2007 حجم الأضرار التي لحقت بالقضية نتيجة تعدد مراكز القرار وتغليب المصالح الفصائلية، كما أثبتت أن استمرار الانقسام أدى إلى إضعاف الموقف الفلسطيني وإتاحة المجال أمام الاحتلال لتكريس الفصل بين الضفة وغزة، لذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الانقسام أو تكريس صيغ موازية للشرعية الوطنية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد وإضعاف الموقف الفلسطيني، كما أن الرهان على ترتيبات منفصلة عن الإجماع الوطني سيزيد من حالة التشتت ويمنح الاحتلال فرصاً إضافية لفرض أجندته.

إن المطلوب اليوم ليس البحث عن مكاسب ضيقة، بل استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني وتجديد مؤسسات الشرعية الوطنية وتعزيز الشراكة السياسية على قاعدة البرنامج الوطني الجامع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالاستناد لإرادة الشعب الفلسطيني عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر صناديق الرصاص والانقلاب على الشرعية، وفي هذا الإطار، تبقى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والإطار الوطني الجامع لقواه، ومن هنا يجب أن تنطلق كل جهود المرحلة المقبلة من تعزيز دورها وتطوير مؤسساتها، لا من تجاوزها أو إنشاء بدائل عنها، كما أن إعادة إعمار قطاع غزة يجب ألا تختزل في بعدها الإنساني، بل أن تكون جزءاً من رؤية وطنية شاملة ترتبط بإنهاء الاحتلال وضمان وحدة الأرض الفلسطينية، فالإعمار الحقيقي لا يقتصر على البنية التحتية، بل يشمل إعادة بناء الحياة الوطنية على أسس الوحدة والشراكة.

إن شعبنا الذي قدّم تضحيات جساماً يستحق قيادة موحدة ورؤية وطنية قادرة على تجاوز الانقسام بالطرق والوسائل الديمقراطية، وتبقى اللحظة الراهنة لحظة مسؤولية تاريخية تستدعي إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة باعتبارها المدخل الحقيقي لمواجهة الاحتلال، وفي هذه اللحظة المفصلية، يبقى الرهان الحقيقي على وحدة الموقف الوطني والتمسك بالشرعية الوطنية باعتبارها الضمانة الأساسية لحماية القرار الوطني المستقل، وتمهيد الطريق نحو تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

 

“نضال الشعب”

زر الذهاب إلى الأعلى