ترامب: أنا من أقرر.. هل تغيرت طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب؟


بقلم: خليل حمد
لم تُستأنف الحرب تماماً، لكن الهدنة انهارت. يبدو التوصيف غير منطقي أبداً، لكنه يحدث في منطقة شرق المتوسط بشكل ما. القصف المتبادل بين إيران من جهة و”إسرائيل” ثم “الولايات المتحدة” من جهة أخرى، لم يستهدف مثلاً “تفاؤل” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران قريباً، وإن كانت تصريحات الرجل في هذا الإطار تبدو متناقضة بدورها ، لكن هذا التصعيد المحسوب من كلا الطرفين كان هدفه التوصل لاتفاق خفض التصعيد .
على المقلب الآخر، يعيش قادة الاحتلال الإسرائيلي في كبسولة خاصة بهم، ويعتقدون أنهم قادرون على مواصلة الحرب على الجميع، وليس على لبنان فقط، وعلى جر المنطقة بأسرها إلى اشتباك واسع بالاشتراك مع حليفهم الأمريكي. دعكم من تصريحات ترامب المتتالية عن أنه هو صاحب القرار، وأنه هو الطرف الأقوى في العلاقة مع نتنياهو!
وعليه فإن ما جرى ويجري يثبت بوضوح أن “الهدنة” التي مرت بها الحرب المستمرة لم تكن إلا ستاراً هشاً يخفي خلفه مزيداً من التصعيد المحسوب بدقة ، ويثبت أيضاً أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” لم تعد كما كانت سابقاً، والبحث عن أسباب التغيُّر هذه تقودنا إلى واشنطن وتل أبيب فمهما كان حجم الشراكة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومشاركة إسرائيل الفاعلة فيها ، فإن الولايات المتحدة الأمريكية بصرف النظر عن الإدارة التي تقوده لا ترى في إسرائيل حليفا استراتيجيا بقدر ما ترى فيها دولة ذات دور وظيفي .
المكالمة هاتفية بين ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استمرت ساعة كاملة مطلع حزيران/ يونيو الجاري تخللها صراخ وعبارات نابية، ووصف لنتنياهو بـ”المجنون” واتهامه بنكران الجميل لكون الرئيس الأمريكي أنقذ نتنياهو من السجن، وتحميل الأخير مسؤولية ما أسمته المصادر كره الجميع لـ “إسرائيل” بسبب تصرفاته المجنونة. كان هذا عندما هددت حكومة الاحتلال بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت. أما تصريحات ترامب التي تلت القصف فتضمنت عبارة واضحة: أنا مَن يتخذ القرارات. محاولة من ساكن البيت الأبيض لإظهار أنه صاحب اليد العليا في العلاقة مع تل أبيب، لكنها بالمعنى السياسي تعني العكس تماماً.
عندما يُضطر رئيس دولة عظمى للصراخ بوجه رئيس وزراء أجنبي فهذا يعني أن الأخير لا يتعامل مع حليفه بالاحترام المطلوب، وأنه متمرد على كل التفاهمات إن وجدت، ويعني بالضرورة أيضاً أن رئيس الدولة العظمى التي سبق وأطاحت بحكومات ورؤساء دول كثيرة في العالم، يقف حائرا أمام الطرف الذي يزعم أنه الأضعف في العلاقة. وفي هذه النقطة يمكن تفسير المشهد بأن ترامب على الرغم من منصبه السياسي القوي جداً في العالم “يريد ان يكبح جماح” على نتنياهو !
التفسير السابق يخضع لمسلَّمة أن تفاصيل الاتصال، والتصريحات التي يقولها ترامب “صادقة تماماً”، بمعنى أن هناك خياراً أن ترامب ومَن نقل عنه غضبه من نتنياهو يكذبون بهذا الشأن، وأن كل ما جرى ويجري من تصعيد مؤخراً ما هو إلا مسرحية لتبرير العودة إلى الحرب كمخرج من اتفاق لا يلبي الأهداف الأمريكية الإسرائيلية للحرب. مع التشديد على أن أهداف الجانبين تباينت كثيراً مع استمرار المعركة. لكن هذا ينفي صفة “الجنون” عن نتنياهو، ليحل محلها الممثل الذكي، الذي يرمي بآخر أوراقه وأوراق كيانه في مواجهة يعرف أن انتهاءها بالنتائج الحالية يعني –ربما– بداية نهاية النفوذ الأمريكي وتغير شكل الوجود الإسرائيلي في المنطقة، على أقل تقدير.
وللتذكير فإن التصعيد الجديد جاء عقب العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت والرد الإيراني بقصف الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثم سقوط طائرة الأباتشي الأمريكية فوق مضيق هرمز، الذي أعلنت واشنطن فوراً مسؤولية طهران عنه قبل أن تنفي إيران بشكل حازم، واستدعى رداً أمريكياً وإيرانياً متبادلاً قبل أن يتم تحديد فكرة هل هو “سقوط” أم “إسقاط”. الحكم الأمريكي المسبق على الأمر يعني أن واشنطن لا تريد مفاوضات بمخالب مقلَّمة، والإسقاط يحتمل أن يكون طرف آخر هو مَن نفَّذ. السؤال هنا يقود إلى صاحب المصلحة الحقيقية في التصعيد بعد ما جرى في بيروت! لكننا هنا لا نريد الدخول في تحليل عميق غير مدعوم بالأدلة!
وإذا كان ترامب فعلاً يريد أن يُصبح هو صاحب القرار وليس نتنياهو، فالخطوات بسيطة جداً، أولها الاستجابة للمصلحة الأمريكية وصوت الشعب في الداخل ووقف دعم “إسرائيل” الأعمى بأموال دافعي الضرائب مثلاً، ووقف الدفاع عن “إسرائيل” ومحاولة طمس جرائمها في فلسطين وعموم المنطقة، وهذا من شأنه إرغامها على أن تنخرط بشكل جدِّي في مفاوضات حقيقية وإيجاد حلول لكل القضايا العالقة منذ نشأة هذا الكيان على أرضنا العربية، ليس في الملف الإيراني فقط، بل في القضية الفلسطينية أيضاً.
ختاماً، يحاول كثير من المحللين العرب والغربيين قراءة المشهد وتوقُّع مآلات الأمور وفق السيناريوهات الجارية أو المُحتملة. الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقال بصحيفة نيويورك تايمز يخلُص إلى أن المواجهات الجارية على أكثر من جبهة في المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 هي “حرب خسرها الجميع”، لكن الكاتب يتجاهل عن غير قصد أو عن قصد ربما أسباب هذه الحرب المستمرة، وهوية الطرف الذي ارتكب الإبادة الجماعية في غزة وجرائم الحرب في لبنان ، ويتجاهل أن نسبة الخسارة عند المعتدي تفوق النسبة عند مَن تم الاعتداء عليه ولم يكن يملك خياراً إلا الرد والدفاع عن نفسه.
وعليه فإنه يكون الجميع خاسراً لأن هذا هو منطق الحروب السيِّئ، إلا أن الخاسر الأكبر هو مَن وضع سقوفاً عالية للحرب، ولم يستطع تحقيق أي منها، ومَن استخدم الحصار والتجويع سلاحاً، وانتهى به الأمر إلى استجداء فتح مضيق كي لا يفقد شعبيته التي تنهار يومياً، وكي لا يخسر انتخاباته النصفية، ذلك مع التأكيد على أننا نقرأ أن مآلات الأشتباك المحسوبة قد قادت لاتفاق يحفظ مكانة ترامب الشخصية وبذات الوقت يحفظ بقاء إيران كدولة إقليمية لا يمكن تجاهلها ، وسيكشف الاتفاق تلاقي مصالح الطرفين وخروج نتنياهو الحاسر من رهان تغيير الشرق الأوسط .0