أقلام وآراء

كندا بمواجهة ترامب.. هل ينتفض “حلفاء” واشنطن!

 

بقلم: خليل حمد

يمتلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موهبة مميزة واستثنائية في تحويل حلفاء الولايات المتحدة إلى خصوم. موهبة تخطت حدود ذلك ربما إلى التأثير على مصير النظام العالمي الذي أفرزته نتائج الحرب العالمية الثانية، وفق تصريح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الأخير.
في خطابه أثناء المؤتمر قال كارني: إن العالم يعيش “تصدُّعاً” في النظام الدولي القديم، وليس مجرد تغيير بسيط أو انتقال تدريجي، وهو ما يمثّل انتهاء النظام العالمي الذي كان يعتمد على قواعد متفق عليها، والتي تتلخص بدور الولايات المتحدة كقوة عظمى في فرض قواعد النظام الدولي، محذراً من سعي الدول الأقوى لتحقيق مصالحها دون احترام القيود والقواعد.
كارني دعا في الوقت نفسه “الدول المتوسطة” مثل كندا والدول الأوروبية على التعاون معاً لبناء نظام جديد يعكس قيمها مثل حقوق الإنسان والتنمية المستدامة والسيادة، بدلاً من التمسك بنظام قد انتهى بالفعل.
رغم أن كارني لم يسمِّ ترامب بالاسم، لكن إشاراته كانت واضحة ً بأن سياسات الولايات المتحدة واستهداف إدارة ترامب لحلفاء واشنطن تسرِّع في انهيار النظام القديم الذي لم يعد قابلاً للاستمرار في صورته الحالية.
تصريحات مثَّلت إعلانَ تمرد صريح من قبل أوتاوا بعد أن هيمن التحدي الكندي لسياسات واشنطن على مدى عام كامل في الأوساط السياسية الكندية، منذ أعلن كارني عقب انتخابه في نيسان/ أبريل الماضي “انتهاء العلاقة التقليدية القائمة على التكامل مع واشنطن”. تحدٍّ وغضب ورفض لسياسيات التهميش واستهداف الحلفاء، هي مشاعر بدأت الانتقال إلى دول الغرب وفقاً لمقال الكاتب الكندي ستيفن مارش في صحيفة “نيويورك تايمز”.
في المقال أيضاً رأي لمارش يعتبر فيه أن تركيز ترامب على ضم جزيرة غرينلاند بالقوة عزز رأي صناع القرار الأوروبيين، بأن انتظار انتهاء ضجيج الرئيس الأمريكي ومحاولة استرضائه قد وصل إلى طريق مسدود، في ظل قناعة راكمتها التصريحات والتصرفات الأمريكية لدى السياسيين الأوروبيين، مفادها أن الروح الأمريكية الحالية تسعى للتوسّع الإقليمي وإذلال الحلفاء. خيار أوروبا الأفضل ربما قد يكون الانضمام إلى كندا في رفع الصوت وتحدي سياسة واشنطن المتجاوزة لكل القواعد .
وللتذكير فإن من حق أوروبا أن تغضب بالأمس قبل اليوم. مواقف ترامب خلال ولايتيه الرئاسيتين لم تراعِ حسن العلاقات مع كل حلفائه، بدءاً من سلسلة التصريحات التي تهاجم حلف شمال الأطلسي “ناتو” منذ ولايته الأولى (2017-2021)، مروراً بتهميش دول القارة العجوز حتى الأقوى منها في مفاوضات التوصل إلى حل للأزمة الأوكرانية، إضافة إلى تصريح نائبه جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن 2025 الذي “أهان” الديمقراطية الأوروبية، وفرض الرسوم الجمركية المرتفعة على أقرب حلفائه، ومنها جارته كندا، وصولاً إلى أحدث القرارات الارتجالية لترامب: رفع التعريفات الجمركية على سويسرا لأن أسلوب حديث رئيسة الحكومة السويسرية معه خلال مكالمة هاتفية لم يعجبه!
بالعودة إلى كندا فإن خطوات واشنطن من تحت الطاولة تبدو أدهى وأشد خطراً. ينتقد مارش دور السفير الأمريكي في كندا بيت هوكسترا الذي يستمر بتوجيه الإهانات إلى أوتاوا، ويكشف عن تقارير تشير إلى تواصل مسؤولين أمريكيين مع انفصاليين في مقاطعة ألبرتا، الأمر الذي اعتبره الكاتب دليلاً على عدم تخلي إدارة ترامب عن فكرة تفكيك كندا، وأشار إلى أن الجيش الكندي وضع خططا لمقاومة غزو أمريكي افتراضي مستلهماً تكتيكات حروب العصابات.
تضييق الخيارات الاقتصادية والسياسية على كندا كانا دافعاً كي تبحث أوتاوا عن شركاء اقتصاديين جدد، كالصين مثلاً، التي زارها رئيس الوزراء الكندي مؤخراً بعد سنوات من التوتر الاقتصادي بين البلدين (الزيارة الأولى لرئيس وزراء كندي منذ عام 2017)، وأبرم فيها اتفاقيات اقتصادية تندرج ضمن استراتيجية الحكومة لمضاعفة الصادرات الكندية غير الموجهة إلى الولايات المتحدة بحلول 2030، وزيادة الصادرات إلى الصين بنسبة 50% في الفترة نفسها، وذلك للحد من الاعتماد المفرط على السوق الأميركية.
الخطوة بذاتها تُعتبر إعلاناً رسمياً كندياً على خروج أوتاوا من العباءة الأمريكية، لكنها أثارت الغضب الأمريكي ووصلت إلى تهديد ترامب بوقف افتتاح جسر “غوردي هاو” الدولي بين ديترويت الأمريكية وويندسور الكندية – وهو مشروع بني بمشاركة كبرى من قبل كندا – ما أثار قلقاً واسعاً في العلاقات بين البلدين، لأن الجسر يُعد نقطة حيوية للتجارة ويجسد تعاوناً بنّاء بين الولايات المتحدة وكندا.
ورغم أن مسألة الجسر يتم العمل عليها منذ سنوات، لكن الرمزية التي جاءت بالمصادفة تحمل الكثير من المعاني: ترامب يهدد بوقف جسور التعاون مع كندا. غير أن لهذه التهديدات المتبادلة آثارها على الطرفين، فرغم أن اعتماد الاقتصاد الكندي على الأمريكي أكبر إلا أن لدى واشنطن ما تخسره أيضاً.
في كندا فإن تصعيد الحرب التجارية يمكن أن يؤدي إلى توقّف النمو وصعوبة الصادرات ما ينعكس على النمو الاقتصادي العام وعلى الوظائف التي تعتمد على الصناعات وبالتالي سينعكس الأمر تذبذباً في العملة والأسواق. أما في الولايات المتحدة فالأمر أسرع تأثيراً على المدنيين. يكفي أن ننتبه إلى تهديد دوغ فورد رئيس حكومة مقاطعة أونتاريو بقطع إمدادات الكهرباء من أونتاريو إلى عدة ولايات أمريكية كرد على فرض الولايات المتحدة الأمريكية رسوما جمركية.
وللعلم، تعتبر كندا أكبر مُصدّر للكهرباء إلى الولايات المتحدة. وتشمل الولايات الأكثر اعتماداً: نيويورك، ميشيغان، مينيسوتا، فيرمونت، ماين، واشنطن (ليس العاصمة بل الولاية في أقصى الشمال الشرقي).
تنفيذ التهديد الكندي بقطع الكهرباء أو أقله بتخفيضها أو رفع سعرها سيؤثر كثيراً على الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي على شعبية ترامب في ولايات كانت محسوبة كمؤيدة له، إضافة إلى تأثير ذلك على الصناعات الثقيلة في ميشيغان ومينيسوتا وشركات التكنولوجيا ومراكز البيانات في نيويورك.
في الخلاصة: تبدو أوتاوا مستعدة وعازمة على السير في خطة تحدي الاستعلاء الأمريكي. وإذا كانت كندا، جارة الولايات المتحدة التي تربطها بها علاقات اقتصادية متشابكة ومعقدة، قادرة على تحدي الروح الأمريكية الحالية التي تتعمد إذلال الجميع بمن فيهم الحلفاء، فإن أوروبا ستكون أكثر قدرة على القيام بهذه الخطوة، والضغوط على القارة العجوز –رغم ارتفاعها– ستكون أقل بكثير مما يمكن أن تواجهه كندا، وبالتالي فإن قرار المواجهة يحتاج فقط إرادة حقيقة للخروج من المظلة الأمريكية نحو استعادة دور هذه القوى على الساحة العالمية، علَّ تعدد مراكز القوة في العالم يُمكن أن يخلق كوكباً أكثر عدلاً، وقانوناً دولياً مُحترماً من الجميع، وليس قواعد وقوانين تبيح وتبرر استمرار الاحتلال والظلم والهيمنة.
الوصول إلى هذه النتائج المأمولة يحتاج وقتاً طويلاً بالتأكيد، لكن الأمل بغدٍ أفضل يدفعنا إلى أن نقرأ كل المتغيرات بعين الطامح إلى رفع الظلم عن شعبه وإنهاء الاحتلال، وإحقاق الحقوق والعيش في عالم يحكمه القانون الدولي وليس دولة بعينها.

زر الذهاب إلى الأعلى