أقلام وآراء

أوروبا تنتفض ضد المستوطنات

 

أوروبا تنتفض ضد المستوطنات.. هل تنتقل القارة العجوز إلى “الإجراءات الرادعة”؟

بقلم: خليل حمد
بعد ثمانية وسبعين عاماً، نشهد في هذه الأيام تحولاً مهماً في السياسة الخارجية البريطانية تجاه القضية الفلسطينية. وزير خارجية المملكة المتحدة أعلن أن بلاده لم تعد تستطيع الصمت على جريمة “التطهير العرقي” الذي يقوم به “مستوطنون إرهابيون” في الضفة الغربية المحتلة. اعتراف له أهميته وأبعاده، ليس لأنه صادر عن بريطانيا -الدولة التي لعبت دوراً محورياً في التمهيد لقيام “إسرائيل” على أرض فلسطين العربية–، لكن لأنه يشكل نقلة نوعية من عصر طويل مارست فيه لندن سياسة الإدانة اللفظية الخجولة عندما تُحشر في الزاوية، إلى مرحلة رد الفعل السياسي والاقتصادي على التجاوزات الإسرائيلية المستمرة، هذا إذا ما ربطنا التصريحات بإجراءات اقتصادية مؤخراً فرضت عقوبات على أفراد وكيانات دعمت بناء المستوطنات في الضفة، وحظرت استيراد منتجات المستوطنات.
ليست لندن وحدها التي اتخذت إجراءات من هذا النوع، عدة دول أوروبية أخرى بينها فرنسا، إلى جانب كندا، أعلنت عزمها اتخاذ إجراءات مماثلة، لأنها ترى في الإجراءات الإسرائيلية المتسارعة لبناء المستوطنات في الضفة “تهديداً لإمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة” وفق أي حل للقضية يستند إلى القرارات الدولية.
التحرك باتجاه فرض قيود متعلقة بالمستوطنات أو بعض المستوطنين ليس جديداً على الساحة الأوروبية، لكنَّ أسباباً عديدة تُكسب هذه الموجة الأخيرة من الإجراءات ميزات استراتيجية وقانونية. في القرارات الجديدة انتقال صريح من “وصم” منتجات المستوطنات وترك الخيار للمستهلك الأوروبي بشرائها من عدمه، نحو حظر وتجريم قانوني لاستيرادها. من الأمثلة على ذلك أن قانوناً سيبدأ تطبيقه قريباً في هولندا يعتبر التعامل مع بضائع المستوطنات “جريمة اقتصادية” تصل عقوبتها إلى السجن، بينما تلوح بريطانيا بعقوبات تصل إلى السجن أيضاً للمخالفين بموجب قوانين مكافحة غسل الأموال.
اتساع الخدمات والسلع التي تشملها القرارات الأخيرة له معناه السياسي والاقتصادي أيضاً. الإجراءات الجديدة، تمنع الشركات المحلية من تقديم خدمات التمويل، التأمين، المقاولات، والتسويق العقاري للمشاريع الاستيطانية. خطوات تبدو وكأنها تضييق عالي المستوى على التمدد الاستيطاني السرطاني في الضفة. الأهم من ذلك أن القرارات تخص المستوطنات في الضفة، فهي بشكل ما تعزل هذه المستوطنات دولياً، وتعيد إحياء “الخط الأخضر”، بمعنى أنها تفصل قانونياً واقتصادياً بين الأراضي المحتلة ما قبل العام 1967، وبين الأراضي التي تواصل “إسرائيل” قضمها يومياً في الضفة المحتلة. في الأمر ضربة لمساعي اليمين الإسرائيلي لضم الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع، كما يبدو من سياق التصرفات، وبعض التصريحات الإسرائيلية.
وكي لا نجافي الموضوعية في طرحنا، فإن لغة الأرقام تؤكد أن اقتصاد المستوطنات يشكل جزءاً بسيطاً من الصادرات الإسرائيلية، رغم ذلك، فإن أسباباً أعمق تقف وراء الهلع الإسرائيلي من هذه الإجراءات. في تل أبيب يخشون احتمال أن تؤثر العقوبات على منتجات المستوطنات والبنوك والشركات التي تمول البناء غير الشرعي في الضفة وتوفر له الخدمات الأساسية، على طبيعة عمل الشركات الأم التي تشملها العقوبات. بمعنى أن كثيراً من الشركات الكبرى التي تلعب دوراً في الاقتصاد الإسرائيلي لها نشاطات في المستوطنات وخارجها. الجزء المتعلق بالمستوطنات قد يؤدي بموجب بنود التشريعات المُنتظرة إلى فرض عقوبات على عشرات الشركات التي ستجد نفسها معزولة عن الأسواق الأوروبية.
المخاطر المحتملة على الاقتصاد الإسرائيلي ككل، أدى إلى ظهور الهلع الإسرائيلي بوضوح في استخدام الصحف العبرية الشهيرة، ومنها يديعوت أحرونوت، توصيفاً عالي النبرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو جراء ” الانتكاسة والفشل الذريع” في الحفاظ على الموقف الأوروبي الداعم لتل أبيب، وتحوّله إلى تنسيق غربي “مفاجئ” ضد سياسة حكومة الاحتلال في الضفة الغربية. الخشية الإسرائيلية هنا مرتبطة أيضاً بتغير المزاج العام في أوروبا ضد سياسات تل أبيب، والذي انعكس اعترافاً من دول عديدة، بينها دول وازنة، بالدولة الفلسطينية.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة. برعت الشركات الإسرائيلية تاريخياً في الالتفاف على الرقابة الأوروبية عبر ما يسمى “خلط البضائع” أو استخدام عناوين وهمية داخل حدود العام 1948 لتهريب منتجات المستوطنات إلى أوروبا. بحسب تقرير حقوقي حديث، فإن أكثر من 17% من عينة شحنات زراعية “إسرائيلية” متجهة إلى أوروبا كانت تخفي بضائع مستوطنات. هذا يعني أن التطبيق الفعلي للقرارات الجديدة يتطلب رقابة جمركية صارمة جداً قد تحاول جماعات الضغط الإسرائيلية في القارة العجوز إضعافها أو عرقلة تمويلها.
في تعقيدات المشهد أيضاً ملاحظة أن حزمة الإجراءات الجديدة لم تصدر باسم الاتحاد الأوروبي بل في عدد من دوله. رغم الوزن السياسي الكبير لهذه الدول، إلا أن كل ما تتخذه من قرارات يبقى في سياق فردي، مع ملاحظة أن تل أبيب حرصت بشكل مستمر على إبقاء مواقف دول الاتحاد الأوروبي منقسمة، أو متفاوتة على أقل تقدير، فيما يتعلق بأي قرار يضغط على تل أبيب.
العامل الأكثر حسماً لمدى جدوى ونجاعة هذه الإجراءات في ردع تل أبيب عن سياساتها الإجرامية المخالفة للقانون الدولي يكمن في هوية المستهدف. تحرص القرارات الأوروبية السابقة والحالية على معاقبة بضعة مستوطنين، أو جماعات متطرفة في “إسرائيل”، واليوم شركات وبنوك، بغض النظر عن أعدادها. في الأمر هروب من مواجهة الحقيقة. فكل ما يجري في الضفة الغربية مدعوم مباشرة من الحكومة الإسرائيلية، بل ويدفع إليه مسؤولون إسرائيليون على رأس عملهم في حكومة بنيامين نتنياهو.
المستوطن الذي يقتل ويستهدف الفلسطينيين. المصنع الذي ينتج بضائعه في الضفة. الشركة التي تقدم خدمات للمستوطنات، والبنوك التي تمول توسيع الاستيطان، كلها لا تعمل في فراغ؛ بل تحرك بتمويل مباشر، وحماية عسكرية وقانونية، وتحريض سياسي تقوده الحكومة الإسرائيلية بكامل أركانها. هذا التعامي المقصود عن المجرم الحقيقي يتقاطع مع ما أكده مؤخراً 130 خبيراً قانونياً في بريطانيا، بأن الإجراءات “قاصرة جداً” عن وفاء لندن بالالتزامات الدولية، التي تعتبر الاحتلال برمته غير شرعي.
خلاصة القول: تكمن أهمية الإجراءات الأوروبية الأخيرة في أنها تنقل أوروبا خطوة إلى الأمام في التعاطي مع الملف الفلسطيني، وفي أنها تثبت أن الإجراءات الاقتصادية والانتقادات السياسية الواضحة يمكنها أن تثير الهلع في “إسرائيل”، وربما إذا كانت العقوبات على مستوى الجريمة، فهي قادرة على ردع الاحتلال عن مواصلة ممارساته، على أن تشمل كل ما يشجع تل أبيب على مواصلة هذه الاعتداءات، من عقود السلاح إلى التعاون الاستخباراتي والاتفاقيات الاقتصادية الكبرى والدعم السياسي اللامحدود في المحافل الدولية. عدا عن ذلك فإن أوروبا ستبقى تتعامل مع “الأعراض” دون أن تبحث عن “علاج المرض”. حتى يحدث ذلك سيبقى السؤال قائماً ومشروعاً: هل تريد أوروبا فعلاً وقف الاستيطان، أم أنها تريد فقط أن تبدو وكأنها تعارضه؟

زر الذهاب إلى الأعلى