بين فكّي الحرب وحرمان المساعدات: أسر في غزة تواجه أزمة المعايير الغائبة


تقرير – فاطمة الدغمة – في ظل تداعيات حرب الابادة الإسرائيلية الشاملة على قطاع غزة، التي دمرت المنازل والبنى التحتية وشلت مناحي الحياة، تتفاقم المعاناة الإنسانية مهددة حياة آلاف الأسر التي فقدت مصادر رزقها وأصبحت تعتمد كلياً على المساعدات الإغاثية، غير أن الأزمة تزداد عمقاً مع غياب المعايير الواضحة والعادلة في آلية توزيع هذه المساعدات المقدمة من المؤسسات الإغاثية، و بضمنها وزارة التنمية الاجتماعية، ما أدى إلى حرمان فئات هي الأشد احتياجاً؛ كأرامل يعلن أطفالاً بعد استشهاد أزواجهن، وأرباب أسر مصابين أقعدهم المرض أو الجراح عن الحركة.
وفي المقابل، تتلقى أسر أخرى أقل عدداً أو تمتلك بعض مصادر الدخل مساعدات بشكل منتظم، في تباين صارخ يشعر بالمرارة ويضع العائلات المنكوبة أمام ظروف معيشية حرجـة، ويطرح أسئلة ملحة حول الآليات المتبعة وخيارات الحل المتاحة لتصحيح التوزيع ورفع التهميش عن المتضررين.
ويزخر الحال بالاف الأمثلة وبشهادات حية تروي قسوة التهميش ومعاناة النازحين حيث إصابات بلا علاج واطفال رُضَّع دون حليب وحفاضات في ظل دخلٌ مفقود.
ويقول الشاب “أحمد علوان” النازح في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وهو أب لخمسة أطفال. يعاني من إصابات ومشاكل صحية في القدم والبطن جراء إصابته في قصف إسرائيلي قبل عامين، ويحتاج إلى تحويلة طبية للعلاج في الخارج قدم لها قبل عامين دون جدوى.
وأحمد اليوم، بلا أي مصدر دخل أو دعم إغاثي، ورغم تحديث بياناته باستمرار لدى الجهات المختصة ومراجعة مشرف المخيم، إلا أنه يتلقى وعوداً غير منفذة.
اما المواطنة “حنين عساف” النازحة في شمال غزة، وهي أم لثلاثة أطفال صغار بينهم طفلة رضيعة؛ يعجز زوجها العاطل عن العمل عن توفير احتياجات الرضيعة الأساسية من الحليب والحفاضات.
فتقول: لم تتلقَ العائلة سوى مساعدة نقدية واحدة بقيمة 1200 شيكل لمدة ثلاثة أشهر قبل نحو عام، ومنذ ذلك الحين لم تصلهم أي إعانة إضافية.
اما المواطنة “ريم عزام” أم لخمسة أطفال وتُعيل أسرتها في ظل بطالة زوجها لظروفه الصحية وكبر سنه. ورغم فقدانها ابنها الشهيد خلال الحرب، لم تتلقَ الأسرة أي مساعدات إغاثية أو مخصصات للشهداء.
فقدان المعيل وغياب الدعم الإغاثي
المواطنة “ريهام بدر” نازحة في مدينة جباليا شمال قطاع غزة، وتواجه الظروف ذاتها، حيث تُعيل أربعة أطفال أيتام بعد استشهاد زوجها، وأحدهم مصاب.
لم تتلقَ أي مساعدات نقدية أو غذائية منذ شهر رمضان الماضي رغم متابعتها المستمرة وتسجيلها في المؤسسات.
وتواجه المواطنة “منار البردويل” نفس معاناة سابقتها، حيث تعيل هي ايضاً 5 اطفال بعد استشهاد زوجها قبل عام من الآن.
لم تتلق “البردويل” اي مساعدات سواء نقدية او غذائية تساعدها على رعاية اطفالها الايتام.
تقول البردويل: سجلت عبر العديد من روابط المساعدات التابعة للمؤسسات الإغاثية لكن دون جدوى.
“الأغذية العالمي” وآليات تقديم المساعدات الغذائية والنقدية في قطاع غزة
بدوره، أكد المتحدث الرسمي باسم برنامج الأغذية العالمي، أن برنامج الأغذية العالمي يقدم مساعداته الغذائية والنقدية بناءً على تقييم مدى الضعف، والظروف التشغيلية، والموارد المتاحة.
وأوضح، أن الدعم في قطاع غزة يتنفذ عبر برامج تكميلية تشمل: التوزيعات الغذائية العامة وتزويد العائلات بحزم غذائية على أساس دوري. والوجبات المطبوخة، وتضمن تقديم وجبات يومية للأشخاص في المناطق التي يصعب الوصول إليها، بما في ذلك المناطق القريبة من الخط الأصفر، ممن يواجهون صعوبة في الوصول إلى مرافق الطهي والخدمات الأساسية.
اما مساعدات الخبز فتوفر الخبز بأسعار مدعومة أو أسعار السوق عبر المخابز المدعومة من البرنامج وشبكة من تجار التجزئة.
خدمات التغذية: استهداف النساء الحوامل والمرضعات والأطفال دون سن الخامسة لتقديم برامج الوقاية والعلاج وجلسات التوعية.
المساعدات النقدية: تقديم مساعدات نقدية منقذة للحياة عبر المحافظ الإلكترونية للأسر الأكثر ضعفاً لمساعدتها على تلبية احتياجاتها الغذائية والأساسية.
وحول آلية ومعايير اختيار المستفيدين، أشار المتحدث إلى أن البرنامج يعتمد نهجاً معيارياً قائماً على تقييم مواطن الضعف لتحديد الأسر الأكثر احتياجاً، مع أخذ مجموعة من العوامل الأسرية والاجتماعية والاقتصادية بعين الاعتبار لضمان تقديم المساعدة بأكبر قدر من العدالة والاتساق.
وحول عدم تلقي بعض الحالات الهشة (كالأرامل والمصابين) للمساعدات، أوضح أن عملية التسجيل لا تضمن الحصول على المساعدة تلقائياً، حيث يعطي البرنامج الأولوية استناداً إلى مستوى الضعف ومدى توفر الموارد، وهو ما يحول دون الوصول إلى جميع المحتاجين في وقت واحد.
وشدد على ضرورة تحديث البيانات فقط عند حدوث تغيير حقيقي في ظروف الأسرة، مشيراً إلى إمكانية تقديم الاستفسارات عبر آلية التغذية الراجعة المجتمعية من خلال خط المساعدة (1800124126) أو مكاتب المساعدة التابعة للبرنامج.
وفيما يتعلق بالتواصل مع ممثلي المخيمات والشركاء، بيَّن المتحدث أنه يمكن للأسر التسجيل مباشرة عبر رابط التسجيل الذاتي الرسمي، حيث تُتخذ قرارات تقديم المساعدة وفق إجراءات البرنامج ومعايير تحديد الاحتياجات وليس بناءً على التسجيل فقط.
وأضاف، أنه في بعض الظروف الاستثنائية، كالمناطق النائية، قد يتلقى البرنامج طلبات مساعدة من شركاء العمل الإنساني.
ونفى المتحدث الرسمي، إعطاء الأولوية أو استبعاد أي منطقة بناءً على المحافظة، مؤكداً أن تخصيص الدعم يتم وفقاً لمستوى الضعف، واحتياجات السكان، وإمكانية الوصول العملياتي، والموارد المتاحة.
وأكد، استمرار تقديم المساعدات في شمال غزة عبر البرامج المختلفة، مع إعطاء الأولوية للمساعدات النقدية استناداً إلى مدى ضعف الأسر وليس مكان الإقامة.
خيام بالية وشتاءٌ على الأبواب
ويقول “زهير المطوق” وهو نازح في خيمة غرب مدينة غزة، انه لم يحصل على أي مساعدة منذ نحو عام. يعيش في خيمة مهترئة لا تقي حر الصيف ولا مطر الشتاء، ويشتكي من انتشار القوارض والحشرات التي أثرت سلباً على صحة أسرته.
ورغم مراجعته لوزارة التنمية الاجتماعية على أمل الحصول على خيمة أو شوادر، لم يتلقَ أي استجابة، علماً أن منزله تدمر بالكامل خلال الحرب.
اما “محمد عسلية” وهو أب لثلاثة أطفال ونازح في خيمة بشمال قطاع غزة. فلم يتلقَ سوى كيس طحين وكرتونة مواد غذائية واحدة من المساعدات التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي طوال عام كامل. رغم انه يعاني من مشاكل صحية حادة في العمود الفقري تمنعه من الحركة والعمل، وتتراكم عليه الديون دون وجود أي مصدر دخل.
شهادات صغيره من واقع أكبر
تؤكد هذه الشهادات الميدانية أن الحالات المذكورة ما هي إلا عينة مصغرة من بين آلاف الأسر المحرومة في قطاع غزة، والتي تضم أرامل يُعلَن أطفالاً ذوي إعاقة أو حالات صحية خاصة.
ومع مقربة دخول فصل الشتاء وتوقع موجات أمطار وصعوبات جوية، تزداد مخاوف النازحين في الخيام البالية، وسط مطالبات عاجلة للجهات الإغاثية والدولية بتصحيح آليات التوزيع وتوفير الكرفانات والمستلزمات الأساسية لحماية العائلات المنكوبة.
التنمية الاجتماعية” تؤكد: غياب البرنامج الموحد وراء فجوات التوزيع
وتعقيباً على الشكاوى والتساؤلات المثارة حول آليات وتوزيع المساعدات الإغاثية في المحافظات الجنوبية، أكدت وزارة التنمية الاجتماعية أن عملية اختيار أسماء المستفيدين لا تقع تحت سلطتها أو إشرافها المباشر بشكل كامل، مشيرةً إلى وجود جهات وقنوات متعددة تتولى إعداد القوائم والتوزيع بشكل مستقل دون الرجوع للوزارة.
وأوضحت الوزارة أن الجزء الذي يتم فيه اختيار أو ترشيح المستفيدين عبر طواقمها يمثل نسبة محددة من إجمالي التدخلات الإنسانية المنفذة، في حين تعتمد معظم المؤسسات الدولية الكبرى — مثل برنامج الأغذية العالمي (WFP)، والأونروا، ومؤسسات (ACTED) و(CRS) — على قواعد بيانات ومعايير استهداف خاصة بها دون الحصول على موافقة مسبقة من الوزارة.
ولفتت إلى أن التنسيق مع منظمة (اليونيسف) يتركز بشكل أساسي في ملفات حماية الطفولة والمرأة، بينما تنفذ المؤسسات والمبادرات المحلية الجزء الأكبر من توزيعاتها بصورة مستقلة.
وحول آلية توزيع المساعدات وشروط الاستفادة منها، قالت الوزارة إن عمليات التوزيع تتم وفق القوائم والمعايير الخاصة بكل جهة منفذة على حدة.
وأرجعت الوزارة سبب عدم وصول الدعم لعدد من الحالات المستحقة من الجرحى والأرامل والفئات الهشة إلى غياب برنامج موحد يضمن العدالة والمصداقية ويمنع الازدواجية، إضافة إلى تركيز بعض المؤسسات على النطاقات الجغرافية المحصورة داخل المخيمات، مما يحرم أسرًا متعففة تقع خارجها.
وفي ردها على الشكاوى المتعلقة بالتوزيع داخل المخيمات ودور المندوبين، بيّنت الوزارة أن إدارة هذا الملف تقع ضمن اختصاص “وزارة الدولة لشؤون الإغاثة” والشركاء المحليين، ولا تخضع لإشراف التنمية الاجتماعية، داعية إلى توثيق أي تجاوزات ورفعها للجهات المختصة لاتخاذ الإجراء المناسب.
واختتمت الوزارة تعقيبها بالتشديد على أهمية توحيد آلية استهداف المستفيدين واعتماد قواعد البيانات الرسمية للوزارة كمرجعية رئيسية، بما يضمن الحد من التكرار والازدواجية ووصول المساعدات بشفافية إلى مستحقيها.
وبين هذا وذاك، تظلُّ هذه الشهادات صرخة استغاثة تضع الجهات المعنية والمؤسسات الإغاثية أمام مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية لتدارك الأزمة وإنصاف المحرومين. فإعادة هيكلة آليات التوزيع واعتماد معايير شفافة تعطي الأولوية للفئات الأكثر تهميشاً لم تعد مجرد مطلبٍ إغاثي، بل ضرورة عاجلة لإنقاذ آلاف العائلات المنكوبة وصون كرامتها في مواجهة الشتاء والقسوة الممتدة.