فيلم” نازا” هز تل أبيب وفضح منظومة الاحتلال


بقلم: عائدة عم علي
يبدو أن السينما العالمية لم تعد مجرد أداة للترفيه الفني، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة مواجهة، ففي الوقت الذي استثمرت فيه إسرائيل مليارات الدولارات على مدار عقود لتصدير صورة الضحية المحاطة بالأعداء، جاءت السينما المعاصرة لتفكك هذا الادعاء من الداخل والخارج لاسيما الأعمال السينمائية التي عرت ممارسات الاحتلال الصهيوني وأسست لتيار سينمائي مقاوم يفضح الرواية الإسرائيلية ويوثق الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني حيث نجحت هذه الأفلام في تسليط الضوء على قصص الصمود الميداني والمعاناة الإنسانية تحت وطأة الاستيطان والحصار وشكلت هذه الانتاجات الإبداعية سلاحاً فكرياً بارزاً للتوعية وكشف زيف الدعاية الإسرائيلية في المحافل الفنية العالمية ليبقى هذا النتاج السينمائي شاهداً حياً على النضال وعدالة القضية.
الفيلم الوثائقي الجديد “نازا” يعد أحدث الأعمال التي فجرت غضباً عارماً في الأوساط الرسمية الإسرائيلية بعد حصده جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الـ 83، واحتفاء الجمهور به بتصفيق حار دام لنحو 25 دقيقة متتالية في عرضه العالمي الأول بمهرجان فينيسيا، ويستمد اهميته بعد كشفه بالوثائق والمعلومات خبايا ما يسمى بمصنع القتل الرقمي في قطاع غزة، وفضح آليات استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف الاغتيال مع علم مسبق بإبادة عائلات بأكملها داخل منازلهم المأهولة. وهوما دفع المسؤولين للمطالبة بإجراءات عقابية ضد صناعه، من كونه يعتمد بالكامل على شهادات حية وحصرية لـ 24 جندياً وضابطاً سابقاً في سلك الاستخبارات الإسرائيلية شاركوا أو اطّلعوا على آليات اختيار الأهداف وضربها. وبحسب ما عرضه صانعوه، فإنّ قتل المدنيين لم يظهر في هذه الشهادات بوصفه خطأً استثنائياً يقع في هامش العمليات، بل كخسائر كانت تُحتسب سلفاً داخل عملية اتخاذ القرار العسكري.
وفي ضوء ما يكشفه الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا»، الذي أخرجه “الإسرائيليان” يوفال أبراهام وراشيل زور لم تعد المسألة، مجرد مواجهة بين روايتين متناقضتين حول حرب غزة؛ فالفيلم ينقل النقاش إلى مكان أكثر إحراجاً لـ “إسرائيل”: إلى داخل المنظومة العسكرية والاستخبارية نفسها. فالعمل ليس أشد وقعا من جم القوة النارية وحده، بل المعرفة المسبقة بمن يوجد تحتها. فقد تحدث عن عناصر استخبارات كانوا يتنصّتون إلى الهواتف، ويسمعون أصوات الأطفال والعائلات داخل المنازل المستهدفة، ويملكون بالتالي مؤشرات مباشرة إلى وجود مدنيين قبل تنفيذ الضربة. إضافة الى أن الشهادات كشفت استهداف المدنيين وقتلهم أثناء توزيع المساعدات الغذائية، معرّية أنظمة سرية اعتمدتها إسرائيل لتنفيذ هذه الجرائم خلال حرب الإبادة على القطاع. ووقائع قتل جماعي وإحراق لمبانٍ سكنية يستخدمها سكان غزة ملاجئ.
وهنا يصبح السؤال أخطر من سؤال «الخطأ العسكري»: ماذا يبقى من مبدأ التمييز بين المدني والمقاتل، ومن واجب الاحتياط والتناسب في القانون الدولي الإنساني عندما يكون وجود العائلة معلوماً قبل إسقاط القنبلة؟
الأشدّ وقعاً فيما كشفه أبراهام ومن هذه الزاوية تحديداً يكتسب «نازا» قوته السياسية والأخلاقية؛ لأنه لا يكتفي بعرض صور الدمار من غزة، بل يحاول تفكيك البنية التي تنتج الدمار: المعلومة، والخوارزمية، والتصنيف، والموافقة، ثم الضربة. حتى اسم الفيلم مستمدّ من تعبير استخباري “إسرائيلي” يشير إلى العدد المتوقع للمدنيين الذين قد يسقطون في الغارة.
وبحسب الوصف الرسمي لمهرجان البندقية، أراد المخرجان فحص الآليات التي تقف خلف القتل الواسع للمدنيين، وطرح سؤال أعمق يتعلق بكيفية وصول مجتمع أو مؤسسة إلى مرحلة نزع الصفة الإنسانية عن جماعة أخرى.
الأوساط الثقافية والسياسية الدولية تشهد حاليا سجالاً محتدماً إثر تصاعد موجات الغضب الرسمي الإسرائيلي ضد مجموعة من الأعمال السينمائية التي نجحت في اختراق المنظومة الدبلوماسية والدعائية لتل أبيب، وتأتى هذه الردود العنيفة، التي تبلورت مؤخراً في التحريض ضد صناع السينما، لتسلط الضوء على عمق الأزمة التي تعيشها إسرائيل، أمام كاميرات المخرجين، التي باتت توثق الوقائع التاريخية والميدانية بدقة غير مسبوقة، واضعة الكيان في مأزق حقيقي أمام الرأي العام العالمي.
ولعلّ ردّ بنيامين نتنياهو على الفيلم يكشف حجم المأزق أكثر مما يدحض مضمونه. فقد وصفه بأنه جزء من حملة تحريض وتشويه، وربطه بأصوات “إسرائيلية” داخلية سبق أن اتهمت الجيش بقتل الأطفال، فيما رئيس الأركان “الإسرائيلي” هاجم الفيلم أيضاً واعتبره مضللاً، ووجّه إلى بحث خطوات قانونية ضدّ صانعيه. لكن قوة القضية التي يطرحها «نازا» تكمن في أنّ مادته الأساسية ليست اتهاماً صادراً عن خصم خارجي، وإنما شهادات أشخاص من داخل الأجهزة العسكرية والاستخبارية “الإسرائيلية”، وتأكيد قول المخرجان بإن الوقائع التي يعرضانها جرى التحقق منها وتوثيقها.
وهنا تتجاوز القضية حدود فيلم سينمائي أو سجال ثقافي في مهرجان دولي. حين يصبح صوت الطفل مسموعاً قبل الغارة، ووجود العائلة معلوماً، وعدد المدنيين المتوقع قتلهم رقماً يدخل في الحساب، فإنّ المسافة الأخلاقية بين معرفة وجود المدنيين وبين اتخاذ قرار الهجوم تصبح هي جوهر القضية القانونية والإنسانية. ولا يعني ذلك أنّ الفيلم، بمفرده، يصدر حكماً قضائياً بارتكاب جرائم حرب؛ فهذا توصيف قانوني يحتاج إلى تحقيق في كلّ واقعة، في الهدف والضرورة العسكرية والتناسب والاحتياطات المتخذة. لكنه يقدّم مادة خطيرة تستحق التحقيق المستقل، لأنها تمسّ مباشرة الأسئلة التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني.
والمفارقة الأثقل أنّ الصورة التي سعت “إسرائيل” طويلاً إلى نفيها لم تعد تأتي فقط من تحت الركام الفلسطيني، ولا من صحافي أجنبي أو منظمة حقوقية؛ بل خرجت هذه المرة بالعبرية، ومن تل أبيب، وعلى ألسنة “إسرائيليين” عرفوا كيف تُصنع الأهداف وكيف تُتخذ القرارات. ولهذا ربما يكون «نازا» شرخ داخل جدار الإنكار. وحين يضطر مخرج “إسرائيلي” إلى أن يقول إنّ ما وثقه ليس حادثاً عابراً بل نمطاً منهجياً، تصبح محاولة إسكات المرآة أقلّ قدرة على حجب الصورة التي تعكسها.