عندما تغيب البوصلة


بقلم: محمد علوش
ليست القضية الفلسطينية اليوم أمام أزمة سياسية عابرة، ولا أمام خلاف جديد بين فصائل الحركة الوطنية يمكن احتواؤه ببيان أو مبادرة أو لقاء تشاوري، نحن أمام لحظة مفصلية تتداخل فيها حرب الاحتلال، ومخططات التهجير والضم وتصفية القضية، والانقسام، وأزمة النظام السياسي، وتراجع الثقة الشعبية، مع محاولات إقليمية ودولية لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني وفق توازنات لا تستند بالضرورة إلى المصالح الوطنية الفلسطينية.
في مثل هذه اللحظات، تصبح البوصلة الوطنية أكثر أهمية من أي وقت مضى، ويصبح السؤال عن مواقع القوى السياسية ومواقفها أكثر إلحاحاً من الشعارات التي ترفعها، فليس كافياً أن نتحدث عن الوحدة الوطنية، أو إنهاء الانقسام، أو إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، إذا بقيت القضايا الجوهرية التي كرّست الانقسام موضعاً للتوصيف العام والتعمية السياسية.
من هنا، فإن النقاش حول «خارطة طريق الإنقاذ الوطني» التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا ينبغي أن يختزل في عناوين المبادرة وتفاصيلها، فالمسألة أعمق: أين تقف الجبهة الشعبية اليوم من الحركة الوطنية؟ وما الموقع الذي اختارته لنفسها داخل النظام السياسي الفلسطيني؟ وهل ما زالت تحافظ على المسافة النقدية والاستقلالية اللتين شكّلتا تاريخياً أحد مصادر قوتها ومكانتها في اليسار الفلسطيني؟
إن الحديث عن «تعدد مراكز القرار» بوصفه توصيفاً عاماً للأزمة لا يكفي لتفسير جذور الانقسام ومسؤولياته ونتائجه، فالأزمة نتاج انقسام سياسي ومؤسساتي عميق، وازدواجية في السلطة والسلاح، وتباين في الرؤية السياسية والمرجعية الوطنية، وصولاً إلى وجود مشروع سياسي مختلف تمثله حركة حماس عن المشروع الوطني الذي تشكل منظمة التحرير إطاره السياسي والتاريخي.
ولهذا، فإن أي حديث جاد عن استعادة الوحدة الوطنية يجب أن يبدأ بالمصارحة، لا بمساواة المسؤوليات، فالوحدة لا تبنى بتجنب تسمية القضايا الخلافية، ولا بتحويل الانقسام إلى حالة مجردة بلا أسباب ومسؤوليات، وإنما بمعالجة جذوره، وإنهاء مظاهر الانقسام السياسي والمؤسساتي، والاحتكام إلى مرجعية وطنية واحدة.
وهنا يبرز القلق من التحول التدريجي في خطاب الشعبية، فالجبهة التي كانت تاريخياً قوة يسارية مستقلة، تمتلك قدرة نقدية تجاه أطراف الحركة الوطنية، تعارض الاحتلال من موقع وطني ويساري واضح، تبدو في بعض مواقفها الراهنة أكثر حدة تجاه السلطة ومنظمة التحرير، في مقابل تراجع المسافة النقدية تجاه حماس وخياراتها.
ولا يتعلق الأمر بحق الجبهة في معارضة السلطة أو انتقاد منظمة التحرير؛ كحق أصيل، بل إن النقد الجاد للسلطة ومؤسسات النظام السياسي ضرورة لا غنى عنها، لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح المعارضة انتقائية، وتختلف المعايير في تقييم القوى السياسية، بما يؤدي إلى اصطفاف يعيد إنتاج الاستقطاب الفلسطيني بصورة جديدة.
الجبهة الشعبية ليست مطالبة بأن تكون جزءاً من معسكر فتح، ولا أن تتحول إلى مدافع عن السلطة، المطلوب منها أن تستعيد موقعها كقوة يسارية وطنية مستقلة، تعارض الاحتلال والاستبداد والانقسام، وتمارس النقد تجاه الجميع بالمعيار الوطني ذاته، وتحتفظ بقدرتها على قول «لا» عندما تتطلب المصلحة الوطنية ذلك، فمواجهة الاحتلال لا تعني تعطيل النقد الداخلي، والمقاومة لا تمنح أي قوة حق احتكار القرار الوطني، والمعارضة للسلطة لا تبرر التساهل مع أي سياسات تتعارض مع وحدة النظام السياسي الفلسطيني ومصالح الشعب.
لا يمكن فصل هذه المسألة عن البعد الإقليمي، فالقضية الفلسطينية كانت دائماً موضعاً للتوظيف الإقليمي والدولي، واستقلال القرار الوطني يتطلب الحفاظ على مسافة واضحة من المحاور، بحيث تكون العلاقات والتحالفات الخارجية خادمة للمصلحة الفلسطينية، لا إطاراً لإعادة إنتاج الاستقطاب داخل الساحة الوطنية، والوحدة التي تحتاجها فلسطين ليست اجتماع الفصائل حول طاولة واحدة، بل إعادة بناء النظام السياسي على أساس وطني وديمقراطي واضح: منظمة تحرير واحدة، ومرجعية وطنية واحدة، ونظام سياسي وحكومة واحدة، وقانون وقرار وطني واحد، وسلاح يخضع للمؤسسة والمرجعية الوطنية، وهذا لا يلغي التعددية السياسية، بل يحميها، فمن حق القوى الفلسطينية أن تختلف في البرامج والوسائل والتكتيكات، وأن تتنافس في الانتخابات، وأن تعارض الحكومة والسلطة، لكن هذا الاختلاف يجب أن يجري داخل إطار وطني ومؤسساتي واحد، لا عبر إنشاء سلطات أو مراكز قرار موازية.
لقد كانت الجبهة الشعبية، منذ تأسيسها، أحد أعمدة الحركة الوطنية الفلسطينية، وكان حضورها يتجاوز حجمها التنظيمي بما راكمته من رصيد فكري وسياسي ونضالي، ومن أبرز عناصر قوتها أنها لم تكن نسخة عن أحد، وأنها امتلكت، في مراحل كثيرة، شجاعة الاختلاف والنقد حتى مع الحلفاء والأصدقاء.
ولهذا، فإن المسألة لا تتعلق بالجبهة الشعبية وحدها، بل بصورة اليسار الفلسطيني ودوره، فالساحة الوطنية تحتاج إلى يسار يستعيد وظيفته السياسية والفكرية والاجتماعية: يواجه الاحتلال، ويدافع عن الديمقراطية، ويناضل من أجل العدالة الاجتماعية، ويعارض الانقسام، ويحمي استقلال القرار الوطني، ويضع مصالح الشعب وطبقاته الشعبية في قلب المشروع الوطني، فاليسار لا يستعيد حضوره بتوسيع الاصطفافات أو بالاقتراب من طرف في مواجهة آخر، وإنما باستعادة استقلاليته وقدرته على تقديم مشروع سياسي واجتماعي مختلف، يضع فلسطين فوق الحسابات الفصائلية والمحاور الإقليمية، وفي هذه اللحظة، لا تحتاج فلسطين إلى إعادة إنتاج الانقسام بأسماء جديدة، بل إلى إعادة بناء الحركة الوطنية على أساس واضح: وبناء نظام سياسي يستند إلى إرادة الشعب.
إن وضع هذه المبادئ على الطاولة لا يعني إلغاء الخلاف السياسي، بل تنظيمه داخل إطار وطني ديمقراطي، ولا يعني مطالبة أي فصيل بالتخلي عن هويته أو برنامجه، بل أن تكون الهوية الفصائلية جزءاً من الحركة الوطنية، لا بديلاً عنها، ففلسطين أكبر من الجميع ومن يضع الفصيل فوق الوطن، أو المحور فوق القرار الوطني، أو الحساب التنظيمي فوق المصلحة العامة، يساهم في إضعاف الحركة الوطنية.
لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم على الجبهة الشعبية ليس فقط: ماذا تقول مبادرتها؟ بل ماذا تقول مواقفها عن موقعها السياسي؟ وهل تستطيع أن تستعيد دورها كقوة يسارية وطنية مستقلة، قادرة على ممارسة النقد في كل الاتجاهات، أم أن الاصطفافات الجديدة ستدفعها إلى موقع مختلف داخل الخريطة الفلسطينية؟
هذا السؤال ليس دعوة إلى إقصاء أحد، ولا مصادرة لحق أي فصيل في اتخاذ مواقفه، بل سؤال سياسي مشروع تفرضه الحاجة إلى حماية الحركة الوطنية من مزيد من الاستقطاب، والحفاظ على التعددية داخل إطار وطني جامع، فالبوصلة الوطنية لا تقاس بعدد البيانات التي تتحدث عن الوحدة، ولا بارتفاع سقف الخطاب، وإنما بوضوح الموقع، واستقلال القرار، وثبات المعايير، والقدرة على رؤية فلسطين قبل الفصيل، والشعب قبل التنظيم، والمصلحة الوطنية قبل المحور، وفي زمن تتعرض فيه القضية الفلسطينية لمحاولات متواصلة لتصفيتها وإعادة تشكيل المنطقة، فإن الحاجة ليست إلى مزيد من الضباب السياسي، بل إلى الوضوح: وضوح في مواجهة الاحتلال، وفي حماية القرار الوطني، وتجديد النظام السياسي على أساس الديمقراطية والشراكة والوحدة.
هذه هي البوصلة التي يحتاج إليها اليسار، وتحتاج إليها الحركة الوطنية كلها، فالتاريخ لا يسأل فقط ماذا قالت الفصائل عن فلسطين، بل أين وقفت عندما احتاجت فلسطين إلى موقف واضح، وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تكفي الشعارات لتحديد الموقع؛ فالمواقف هي التي تكشف البوصلة.