أقلام وآراء

تلال علي الطاهر والساحل الغربي.. والقطب المخفية

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

نتيجة المتغيرات في الإقليم والعالم، تحولت المنطقة العربية إلى شبكة ضغط متبادلة حيث يستخدم كل طرف الجغرافيا الاستراتيجية لإعادة التوازن أو فرض شروط في المفاوضات الاقليمية والدولية. فتشابك خيوط الصراع من الجنوب اللبناني وتلة علي الطاهر وصولا إلى اتفاق ايران مع سلطنة عمان حول مضيق هرمز وما بينهما من تطورات عند الساحل الغربي اليمني وباب المندب، يثير التساؤلات حول هذا التزامن المريب ويوحي بأن هناك العديد من القطب المخفية، والخشية أن نكون أمام عملية مقايضة وإعادة ترتيب لممرات النفوذ والأمن يكون العالم العربي أكبر ضحاياها، سيما وان موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التقدم الحوثي وسيطرته على واحد من أهم الممرات الدولية، كان مخيبا للآمال وصادما. وما زاد من غموض الوضع رفض ترامب طلبا سعوديا بالمساعدة في ردع المهاجمين من خلال تدخل الطيران الأمريكي استنادا الى العديد من المصادر الموثوقة. فإيران بذلك تضغط على السعودية من الشرق والحوثي من الجنوب، وأذرعها تستهدف خط شرق-غرب وهو الخط السعودي البديل الذي ينقل النفط من الشرق نحو البحر الأحمر، وترامب يكتفي بالمساعدة الاستخبارية في الوقت الذي أصبحت فيه طهران فعليا قادرة على تطبيق حصار نفطي على المملكة، لأن قدرة السعودية على تصدير نفطها بعد استهداف خط الأنابيب والامساك بالمضائق أصبح أكثر صعوبة وتعقيدا. كل ذلك يتزامن مع سعي إسرائيل لتثبيت واقع جديد في لبنان بعد السيطرة على تلال علي الطاهر والتي كانت ايران تهدد بهجوم واسع على إسرائيل إذا ما هاجمت تلك التلال، فإذا بالصمت المطلق سيد الموقف بعد تهديدات كلامية مزلزلة، وتأكيد من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن الولايات المتحدة على تواصل مباشر مع الحوثيين، ولقاء امريكي مع الحوثيين الذين تصنفهم الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية منذ آذار عام ٢٠٢٥ في سلطنة عمان بعد سيطرة الحوثي على الساحل الغربي وبوابات باب المندب ، أكد خلاله الحوثيين بأن المعبر مفتوح للجميع بمن فيهم الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن ليس لديهم النية لمهاجمة السفن الأمريكية والإسرائيلية أو أي سفن أخرى باستثناء تلك التابعة للمملكة العربية السعودية. وهنا لا بد من البحث في التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط خلف الكواليس، ما يستوجب من دول المنطقة البدء بمراجعة استراتيجية شاملة لسياساتها المحلية والاقليمية والدولية، تحدد من خلالها الحليف الذي يمكن الرهان عليه وشكل التحالفات الجديدة وكيفية بناءها، بعد أن اثبتت الوقائع وحجم فاتورة الخسائر الفعلية التي دفعتها المنطقة نتيجة سياسات وقرارات ترامب المتضاربة والمرتبكة والمتناقضة، بأن العلاقة التاريخية مع واشنطن في عهد ترامب لم تعد هي بوليصة التأمين الاستراتيجية التي يمكن الاعتماد عليها بثقة، بل أنها لم تعد المنقذ الذي يتدخل لإنقاذ المنطقة، وإنما تحولت إلى سبب للمرض مع غياب للسلاسل العقلانية التقليدية التي تربط بين المقدمات والنتائج في سياسات الرئيس الأمريكي، وتراكم الأوهام والرغبات الشخصية التي لا تنتهي إلى نتائج واقعية. ولذلك ، على العالم العربي أن يدرك بأنه أمام مفترق طرق تاريخي في ظل المتغيرات الاستراتيجية، وعليه إعادة مراجعة السياسات السابقة ومدى مطابقة الأهداف المرجوة للنتائج .

 

المشهد العام لا يوحي وكأننا دخلنا تهدئة متفق عليها، الأكثر ترجيحا اننا وسط عملية تفاوض غير مكتملة تجري بالتوازي مع عمليات عسكرية، هدفها رسم أوراق القوة قبل الوصول إلى تفاهم أكبر، والذي من الممكن أن ينجح أو يفشل لاحقا. علي الطاهر هي الورقة اللبنانية بيد إسرائيل في مرحلة جمع الأوراق، بينما هرمز وباب المندب هما الورقتان البحريتان لإيران خاصة إذا ما نجحت طهران في تثبيت اقدامها بشكل نهائي عند باب المندب عبر حليفها الحوثي. وإذا اتجهت واشنطن وطهران إلى صفقة، فسيكون لبنان جزءًا من سلة التسويات التي يمكن أن تمهد الطريق لتسوية لبنانية إسرائيلية طويلة الأمد، أما في حال التعثر فإن لبنان سيعود مجددا ليصبح إحدى الساحات المشتعلة من جديد، والأيام المقبلة ستحمل المؤشرات حول أي اتجاه ستسلكه الأمور.

وإذا ما تعمقنا في جوهر الصراع، فإن القرار الامريكي بعدم تقديم دعم عسكري مباشر للسعودية في مواجهة الحوثيين لا يمكن اعتباره مجرد سياسة “تقليل الانخراط” أو “الحياد الاستراتيجي”، بل جزء من نهج أوسع يهدف إلى استخدام أمن الخليج كورقة ضغط سياسية لإجبار الرياض على السير في مسار التطبيع والانضمام إلى الاتفاقيات الابراهيمية، وهنا أحد مكامن القطب المخفية. هذا الموقف يعكس عقلية براغماتية امريكية ترى أن مصالحها لا تتحقق عبر حماية الحلفاء، بل عبر ابتزازهم وربط أمنهم بخيارات سياسية تخدم واشنطن وتل ابيب، ما يضع السعودية أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على استقلال قرارها السياسي وبين مواجهة تهديدات أمنية متصاعدة، إذ أن واشنطن عبر ترك السعودية مكشوفة، توجه رسالة للرياض مفادها ان أمنها ليس مضمونا إلا في حال الانخراط في المشروع السياسي الأمريكي الإسرائيلي، وهذا يعني الدفع بها نحو التفكير بإسرائيل كقوة اقليمية يمكن أن توفر دعما استخباريا أو حتى عسكريا ضد ايران واذرعها، والهدف الأساس يبقى توسيع دائرة الاتفاقيات الابراهيمية، إذ أن انضمام السعودية سيعتبر انجازا تاريخيا يضفي شرعية أكبر على هذه الاتفاقيات، ويحولها من مجرد تفاهمات ثنائية إلى محور اقليمي جديد. إلا أن هذا الموقف الامريكي يتجاهل حساسيات الشعوب العربية والإسلامية، ويحول القضية الفلسطينية إلى مجرد ورقة تفاوضية، وهذا ما كانت ترفضه المملكة التي تتمسك بإيجاد مسار موثوق لا رجعة عنه يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة كأساس للبحث في موضوع العلاقة مع إسرائيل. كما أن موقف واشنطن يترك فراغا تستغله إيران وأذرعها، ما يفاقم التهديدات بدلا من احتوائها. فهل ستخضع المملكة أمام هذا الضغط الهائل، ام ستبحث عن بدائل استراتيجية جديدة بعيدا عن واشنطن، وهو خيار قد يعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة من جديد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى