أقلام وآراء

بين الضغط والضغط المضاد.. لبنان يبحث عن نفسه

 

 بقلم: د. فريد اسماعيل

في مسلسل الضغط والضغط المضاد، شهدت المنطقة منذ فترة وجيزة تصعيدا حادا من قبل ايران واذرعها حيث وسعت دائرة استهدافاتها لتشمل مناطق حساسة طالت منشآت بترولية في السعودية، وموجات من الهجمات بالصواريخ والمسيرات على دول الخليج والأردن، مستهدفة منشآت حيوية للطاقة والمياه اعتبرت الأوسع منذ بداية التصعيد وتعكس انتقال ايران الى استراتيجية الردع عبر الفوضى الاقليمية، إذ انها لا تبحث عن نصر عسكري لعلمها انها غير قادرة على ذلك، بل خلق بيئة من عدم الاستقرار تضعف قدرة خصومها على فرض تسوية أو ضغط مستمر عليها بحيث يصبح أي قرار ضدها مكلفا للجميع، ما يجعل استمرار الضغط عليها غير مستدام اقتصاديا وسياسيا. كما أن توسيع دائرة النار باستخدام الاذرع في المنطقة وفتح جبهات جديدة يساهم في خلط الأوراق الاقليمية، ويجعل من الصعب على واشنطن وإسرائيل التركيز على ملف واحد (لبنان، غزة، النووي، هرمز وصولا الى باب المندب)، كما أنها توجه رسالة سياسية مفادها انها قادرة على ابقاء واشنطن في حالة استنزاف بين حماية الخليج ودعم إسرائيل وضبط لبنان، وقادرة أيضا على ان تجعل المنطقة كلها تدفع الأثمان في حال محاولة عزلها او إسقاط نفوذها في لبنان بعد سوريا. اما الولايات المتحدة التي تلعب الى جانب إيران دور البطولة في مسلسل الضغط والضغط المضاد، فقد عمد رئيسها الى إطلاق عاصفة من تصريحات التهديد والوعيد بشن هجمات وعد بأن تكون الاعنف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم ما لبث أن تراجع مبررا ذلك برغبة إيرانية لاستئناف المفاوضات، وباتصالات وردته من قادة الخليج طلبت منه إلغاء الضربات.

سبق ذلك زيارتين غير متزامنتين للرئيس اللبناني ولرئيس الحكومة الإسرائيلية الى واشنطن، اذ يمكن الربط بينهما وبين التصعيد الايراني الاخير عبر الاذرع ووضعهم ضمن سياق واحد متشابك من الرسائل السياسية والأمنية. فإيران التي لطالما اعتبرت لبنان واحدة من اهم اوراق الضغط الاستراتيجي لديها، رأت في زيارة الرئيس اللبناني لواشنطن خطوة امريكية لإضعاف نفوذها في لبنان سيما وأنها ركزت على دعم الجيش اللبناني وتثبيت الاتفاق مع إسرائيل الذي ينتزع ورقة الضغط هذه من طهران، وإظهار أن الدولة اللبنانية قادرة على الإمساك بالقرار الأمني بعيدا عن إيران عبر حزب الله، وانه يمكن أن يكون شريكا مستقلا. اما إيران، فترى في ذلك تقليصا لنفوذها وتهديدا لموقعها في الاقليم واضعافا لقدرتها على تعطيل أو فرض شروط في اي تسوية اقليمية.

اما زيارة نتنياهو الى الولايات المتحدة فقد جاءت مباشرة بعد زيارة الرئيس اللبناني وكأنها رد معاكس اراد نتنياهو من خلالها اقناع واشنطن بضرورة استمرار الضغط العسكري وعدم الانسحاب من لبنان وسوريا، والحصول على ضمانات بأن دعم واشنطن للبنان لا يجب أن يترجم تقليصا للنفوذ الأمني الإسرائيلي. أما واشنطن، فتحاول رسم توازن جديد يقوم على دعم الدولة اللبنانية ضبط إسرائيل، ومواجهة ايران. هذا التفاعل يظهر أن لبنان أصبح محوريا في الصراع الأوسع بين واشنطن، تل ابيب، وطهران، وان التصعيد الايراني الأخير ليس مجرد رد عسكري بل جزء من لعبة توازنات اقليمية مرتبطة أيضا بمستقبل لبنان وموقعه في النظام الجديد.

وفي ذات الوقت الذي يحاول فيه الرئيس اللبناني والحكومة انتشال لبنان من بازارات الصراعات وأوراق الضغط الاقليمية وفصل المسار اللبناني والذي نتج عنه الاتفاق الاطاري بين بيروت وتل ابيب عن مسار باكستان الاقليمي، تواجه الحكومة والرئيس ضغوطا داخلية كبيرة بسبب الانقسام السياسي الحاد بين القوى الفاعلة والذي تعود جذوره في الأصل إلى عقود من الصراعات السياسية والمذهبية والطائفية، ويشكل انعكاسا لتوازنات القوى الداخلية والخارجية بين من يرى فيه فرصة تاريخية لإنهاء النزاع مع إسرائيل، ومن يعتبره تهديدا للسيادة ومقدمة لفتنة داخلية. والنقطة الأكثر اثارة للجدل هي الشرط الإسرائيلي الذي يربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، ما يثير مخاوف من فتنة وصدام داخلي. كما أنه من وجهة نظر العدالة الدولية، فإن بعض البنود تتهم بأنها تضعف امكانية محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب ، سيما البند ١٣ من الاتفاق الذي ينص على وقف الأعمال العدائية او الضارة في المحافل السياسية او القانونية الدولية، ما قد يفسر على أنه قد يقوض حق المدنيين المتضررين في اللجوء الى العدالة الدولية .من ناحيتها ترى الرئاسة اللبنانية والحكومة وشرائح واسعة من الشعب اللبناني أن هذه الصياغة تهدف فقط الى ترسيخ الهدنة ومنع التصعيد، وأن الهدف الاساسي هو استكمال الانسحاب الإسرائيلي وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة على الجنوب والعودة التدريجية للنازحين، وترى ان البنود يجب تفسيرها في هذا السياق.

الحقيقة ان الانقسام اليوم في لبنان لم يعد فقط بين مع او ضد، بل برزت مواقف لقوى سياسية وازنة تقف من جهة مع الدولة في مسار فرض سيادتها على كامل الاراضي اللبنانية وحصر السلاح بيد الشرعية وحدها وهي ليست ضد عملية التفاوض مع إسرائيل، إلا انها ترى في بعض بنود الاتفاق تنازلات غير مقبولة، كالزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي يرى أن الاتفاق يعيد تعريف سبب النزاع باعتباره مرتبطا بوجود سلاح غير نظامي بدلا من التركيز على الاحتلال ويجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطا بقدرة لبنان على نزع سلاح حزب الله، اضافة الى رفض البند ١٣ من الاتفاق. لكن هناك العديد من العوامل التي حدت من قدرة لبنان على التفاوض ومنها نتائج الحرب الكارثية على لبنان وعدم امتلاكه اوراق ضغط، ما جعله طرفا ضعيفا في معادلة أكبر. كذلك فإن الولايات المتحدة اهتمت أكثر بترتيب أمني يضمن هدوء الحدود، لا بمحاسبة إسرائيل أو ضمان حقوق الضحايا. كما ان تفاقم الأزمة المالية الخانقة دفعت بعض القوى الى قبول تسوية سريعة حتى لو لم تكن مثالية، معتبرة أن هذا الطريق هو الاسرع للحفاظ على الارواح ووقف الحرب الني لم يختارها لبنان، وإنهاء استخدام الآخرين للبنان ورقة في سوق المصالح الاقليمية.

ويبقى لبنان العالق بين ورقة التفاهم مع إسرائيل وبين تفاهمات باكستان الاقليمية، يبحث عن نفسه وعن مستقبل لا زال مفتوحا على كل الاحتمالات.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى