أقلام وآراء

شهادة في الفكر والانتماء والمسيرة

 

بقلم: محمد علوش

لم يكن انتمائي إلى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني يوماً قراراً عابراً فرضته لحظة سياسية مؤقتة، أو استجابة لظرف تنظيمي طارئ، أو سعياً وراء موقع أو حضور، بل كان ثمرة مسار طويل من الوعي والتجربة والبحث الفكري والانخراط في قضايا الوطن والإنسان، ولقد جاء هذا الانتماء بوصفه اختياراً فكرياً ووجدانياً وسياسياً نابعاً من قناعة راسخة بأن النضال الفلسطيني لا يمكن اختزاله في مواجهة الاحتلال فقط، بل هو جزء من معركة أوسع من أجل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

فالانتماء الحقيقي ليس اسماً يرفع في المناسبات، ولا بطاقة عضوية تختزل علاقة الإنسان بالفكرة، بل هو رابطة عميقة بين القناعة والممارسة، بين المبادئ والسلوك، وبين ما يؤمن به الإنسان وما يكرس حياته من أجله، والانتماء النضالي، في جوهره، مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون حالة تنظيمية، لأنه يرتبط بالانحياز إلى قضايا الناس، والدفاع عن حقوقهم، والإيمان بأن الأفكار لا تكتسب قيمتها من جمال الشعارات، بل من قدرتها على ملامسة الواقع والسعي إلى تغييره.

ومنذ بدايات تشكل وعيي السياسي، ظل السؤال الأساسي الذي يرافقني: كيف يمكن أن يكون النضال من أجل تحرير فلسطين جزءاً من مشروع تحرر إنساني شامل؟ وكيف يمكن أن نبني وطناً لا يتحرر من الاحتلال والاستعمار فقط، بل يتحرر أيضاً من الفقر والتهميش والظلم وغياب العدالة؟ وكيف يمكن أن تكون فلسطين المستقبل وطناً للحرية والمواطنة والكرامة، لا مجرد كيان سياسي منفصل عن قضايا الإنسان وحقوقه الاجتماعية والاقتصادية؟

لقد وجدت في الفكر اليساري الفلسطيني الإطار الأقرب لهذه الأسئلة، لأنه نظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب وتاريخ وهوية وحقوق، وقضية إنسان يسعى إلى التحرر الكامل، وليس مجرد قضية جغرافيا وحدود، فقد آمن اليسار الفلسطيني، كما آمنت، بأن التحرر الوطني لا يكتمل من دون تحرر اجتماعي، وأن الاستقلال السياسي الحقيقي لا يمكن أن يستقيم دون بناء مجتمع ديمقراطي تسوده العدالة والمساواة وتصان فيه كرامة الإنسان.

إن فلسطين التي نحلم بها ليست فقط دولة مستقلة على الأرض، بل مشروعاً وطنياً وإنسانياً وحضارياً يقوم على قيم الحرية والعدالة والمشاركة، إنها فلسطين التي يكون فيها العامل والفلاح والكادح والشباب والمرأة شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل، لا مجرد فئات تستحضر في الخطابات، فالاستقلال لا يكتمل إذا بقي الإنسان الفلسطيني أسيراً للحاجة أو الفقر أو غياب الفرص، لأن جوهر التحرر هو تحرير الإنسان قبل كل شيء.

وعندما اخترت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، كنت أختار مدرسة سياسية وفكرية رأيت فيها التقاء البعد الوطني بالبعد الاجتماعي، والتكامل بين مقاومة الاحتلال والنضال من أجل بناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً، وجدت فيها تعبيراً عن قناعة بأن الحركة الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تنفصل عن هموم الشعب اليومية، وأن قوة أي تنظيم سياسي لا تقاس فقط ببرامجه وشعاراته، بل بمدى قربه من الجماهير، وقدرته على الدفاع عن مصالحها، وتحويل قضاياها إلى فعل سياسي ونضالي.

لم يكن اختياري للجبهة بحثاً عن الطريق الأسهل، فالمشاريع النضالية الحقيقية لم تكن يوماً مسارات مريحة أو خالية من التحديات، فالانحياز إلى مشروع وطني يساري يعني التمسك بالمبادئ عندما تصبح أكثر كلفة، والدفاع عن قيم العدالة والديمقراطية عندما تتراجع مساحة الفعل، وتحمل مسؤولية النضال في مختلف الظروف، بعيداً عن الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة.

اخترت الجبهة لأنها حملت رؤية ترى أن فلسطين بحاجة إلى حركة سياسية تجمع بين وضوح الهدف الوطني وعمق الرؤية الاجتماعية، بين التمسك بالحقوق التاريخية الثابتة لشعبنا والإيمان بالديمقراطية والتعددية واحترام الإنسان، كما آمنت بأن النضال الفلسطيني ليس شكلاً واحداً، بل منظومة متكاملة من النضال السياسي والجماهيري والفكري والاجتماعي، وأن بناء الوعي الوطني والثقافي يشكل ركناً أساسياً في معركة التحرر، ولقد علمتني التجربة أن الأوطان لا تتحرر بالشعارات وحدها، وأن الأفكار لا تبقى حية إلا عندما تتحول إلى ممارسة يومية بين الناس، فاليسار الذي أنتمي إليه ليس موقفاً نخبوياً أو خطاباً نظرياً مجرداً، بل هو انحياز دائم للطبقات الشعبية، ودفاع عن حقوق العمال والكادحين، وتمسك بحق كل إنسان في حياة كريمة ومستقبل أفضل.

وفي جبهة النضال الشعبي الفلسطيني وجدت مساحة للالتقاء بين الفكرة والممارسة، بين الحلم والعمل، وبين المبادئ والواقع. وجدت مشروعاً يؤمن بأن المقاومة بمعناها الشامل ليست شكلاً واحداً، وأن النضال الوطني يتطلب بناء الإنسان، وتعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة الصمود والمشاركة الشعبية، لأن الشعوب لا تنتصر بقوة السلاح أو السياسة فقط، بل بقوة الوعي والإرادة والتنظيم.

وكان انتمائي إلى الجبهة أيضاً انتماء إلى تاريخ طويل من التضحيات والنضالات التي قدمها مناضلوها، وإلى رفاق حملوا الفكرة في مراحل صعبة، وتمسكوا بقيم الحرية والعدالة والانحياز إلى شعبهم رغم التحولات والاختبارات، فالمناضلون الحقيقيون لا يقاسون فقط بما يحققونه في لحظات الانتصار، بل بقدرتهم على الحفاظ على المبادئ في أوقات التراجع، وعلى مواصلة الطريق عندما تصبح المسيرة أكثر صعوبة.

إنني لا أنظر إلى الانتماء السياسي باعتباره حالة جامدة أو إرثاً مغلقاً، بل باعتباره مسؤولية متجددة، وحواراً دائماً بين الفكرة والواقع، فالأحزاب والحركات السياسية تمر بمراحل مختلفة، وتواجه تحديات وأسئلة جديدة، لكن ما يبقى هو جوهر الفكرة، وصدق الانحياز للشعب، والقدرة على النقد والمراجعة والتجدد.

لقد اخترت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني لأنني وجدت فيها فلسطين التي أؤمن بها؛ فلسطين التحرر والعدالة والديمقراطية، فلسطين التي لا تفصل بين حرية الوطن وحرية المواطن، ولا بين مقاومة الاحتلال وبناء الإنسان، اخترتها لأنني أؤمن بأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى مشروع وطني جامع يحمل مضموناً اجتماعياً وإنسانياً، مشروعاً لا يكتفي بتحرير الأرض، بل يسعى إلى بناء مجتمع يليق بتضحيات شعبنا وبطموحات أجياله القادمة، وبعد سنوات طويلة من التجربة، ما زلت أؤمن بأن الانتماء الحقيقي هو انتماء للفكرة قبل الاسم، وللمبدأ قبل الموقع، وللناس قبل المصالح، فالإنسان المنتمي بصدق لا يبحث عن مكانته داخل التنظيم بقدر ما يبحث عن دوره في خدمة القضية التي آمن بها.

وما زلت مؤمناً بأن الطريق نحو الحرية طويل، وأن الشعوب التي تتمسك بحقوقها وتملك الإرادة والوعي قادرة على تحويل التضحيات إلى إنجازات، والهزائم المؤقتة إلى محطات في مسار الانتصار التاريخي.

لهذا اخترت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني؛ لا لأنها كانت خياراً عابراً، بل لأنها كانت التعبير الأقرب عن قناعتي بأن فلسطين التي نناضل من أجلها يجب أن تكون وطناً حراً وعادلاً، وطناً للكرامة الإنسانية، وطناً يقوم على الحرية والمساواة والعدالة.

إنها مسيرة اخترتها بوعي وإيمان، وسأبقى مؤمناً بأن الأفكار التي تنحاز إلى الإنسان لا تموت، وأن النضال من أجل الحرية والعدالة سيظل الطريق الأسمى نحو المستقبل.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى