في ذكرى رحيله:


في ذكرى رحيله: د. سمير غوشة الجامع بين الفكر السياسي والوعي الوطني والالتزام الأخلاقي
بقلم: د.فريد اسماعيل
حين نستعرض مسار الحركة الوطنية الفلسطينية منذ مؤتمر بازل الصهيوني عام ١٨٩٧ وحتى يومنا هذا، يفرض اسم الشهيد الدكتور سمير غوشة نفسه مدرسة فكرية ونضالية رسخت مجموعة لا محدودة من القيم الانسانية والوطنية والاخلاقية، وتميز بالعطاء والاخلاص والمصداقية حتى آخر نبض. لذلك، لم يكن الدكتور سمير غوشة مجرد قائد سياسي بل رمزا وطنيا وحدويا، بصماته لا زالت حتى يومنا هذا وستبقى منغرسة في مسيرة النضال الفلسطيني.
في قمة الأزمات كان هو رجل الحوار رغم المخاطر، وفي زمن الخلافات والانقسامات كان رجل الوحدة. هو الانسان المتواضع إلى أبعد الحدود، لكنه الصارم في الحفاظ على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية والقرار الوطني المستقل.
لقد ارتكزت منهجية الشهيد القائد الدكتور سمير غوشة على الجمع بين النضال الوطني ضد الاحتلال وبين الانحياز الاجتماعي للفئات المقهورة من العمال والفلاحين، متبنيا نهجا تقدميا منحازا للفئات الشعبية ومؤكدا أن التحرر الوطني لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية، لذلك قدم استقالته في العام ١٩٩٨ من التركيبة الوزارية آنذاك معلنا ان السبب هو انتشار فساد اداري ومالي وعدم وجود آليات واضحة للمحاسبة، حيث اعتبر ان استمرار هذه الممارسات يتناقض مع مبادئ النضال الوطني والعدالة الاجتماعية التي تبناها طوال مسيرته والتي تتطلب بناء مؤسسات وطنية قوية تلتزم بالشفافية والمساءلة.
وقد اتسمت مواقف فارس القدس بالاتزان والموضوعية في المواقف المفصلية، وكان من طليعة من أدرك اهمية التوازن بين المقاومة المسلحة وظروفها والعمل السياسي والدبلوماسي، مدركا ان القضية الفلسطينية تمر بمراحل مفصلية تتطلب مراجعة وطنية شاملة وتعزيز الوحدة الداخلية لمواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني. لقد كانت منهجيته شمولية تجمع بين التحرر الوطني، العدالة الاجتماعية، الإصلاح الداخلي والانفتاح الدولي. هذا الوعي المتكامل جعله أحد أبرز القادة الذين حافظوا على خط وطني تقدمي، وشكل وما زال، منارة فكرية ورمزا نضاليا لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني الحافظة لمسيرته ومبادئه ونهجه.
لقد كان فارس القدس يدرك بأن معركتنا مع العدو هي معركة وعي، إذ أن الثورة ليست مجرد بندقية، بل مشروع وطني واجتماعي يحتاج الى وحدة داخلية ومؤسسات قوية فاعلة ووعي جماهيري، لذلك كان حريصا على المشاركة في المجلس الوطني والمركزي، وعلى إبراز دور منظمة التحرير الفلسطينية كإطار جامع، وكان شغوفا بالاطلاع على أفكار القادة الثوريين والمفكرين وعلى تجارب الشعوب والثورات حول العالم، والتي أثبتت حقيقة ان السلاح وحده لا يصنع ثورة ولا يحقق تحررا ان لم يقترن بوعي يحدد الهدف والاتجاه، لأن البندقية بلا وعي تتحول الى وسيلة عنف، وبدل ان تكون أداة تحرير تصبح عبئا على حاملها وعلى القضية نفسها لأنها قد تستخدم في صراعات داخلية أو انحرافات عن الهدف الوطني، وان الثورة كما قال تشي غيفارا ” تصنع بالوعي قبل أن تصنع بالبندقية”، وتحتاج الى وعي وطني وادراك سياسي واجتماعي واخلاقي يحدد من هو العدو وما هي الغاية وكيف تبنى المؤسسات بعد التحرر.
لقد كان القائد الدكتور سمير غوشة مؤمنا بالعمل المؤسساتي الديمقراطي، ولذلك كان بناء الديمقراطية داخل أطر جبهة النضال الشعبي الفلسطيني جزءا اساسيا من منهجيته الفكرية والتنظيمية، حيث اعتبر ان الثورة لا يمكن أن تستمر وتنجح إلا إذا كانت مؤسساتها قائمة على المشاركة والشفافية والعدالة. ولذلك عمد ان تكون الجبهة إطارا مفتوحا للفئات الشعبية بحيث يشاركوا في اتخاذ القرار لا ان يبقوا مجرد قاعدة تنفيذية، مع تركيزه على أهمية الهيئات التنظيمية داخل الجبهة وحرصه على أن تمارس دورها بشكل كامل منعا للتفرد في اتخاذ القرار، وكان يرى ان الديمقراطية داخل الجبهة يجب ان تكون انعكاسا للوحدة الوطنية الأوسع، ولذلك فتح المجال أمام الحوار مع مختلف الفصائل الفلسطينية. كما ان نظرته للديمقراطية لم تكن تقتصر على الانتخابات الداخلية، بل تشمل نشر الوعي السياسي بين الأعضاء والجماهير. ولذلك يمكن القول ان الدكتور سمير غوشة جعل من الديمقراطية ركيزة أساسية في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، ليس فقط كآلية تنظيمية داخلية بل كجزء من مشروع الثورة الأشمل. لقد اراد أن تكون الجبهة نموذجا يثبت أن التحرر الوطني لا ينفصل عن بناء مؤسسات ديمقراطية عادلة وشفافة، نموذجا بدأه فارس القدس ويكمله اليوم الأمين العام الدكتور احمد مجدلاني.
وإذا ما تناولنا شخصيته، فقد شكل الدكتور سمير غوشة نموذجا للقائد الذي جمع بين الفكر السياسي والالتزام الأخلاقي والتواضع. فقد كان حضوره في الساحة الوطنية الفلسطينية مرتبطا بسمات شخصية جعلت منه شخصية جامعة قادرة على التأثير والقيادة دون أن تنفصل عن الجماهير او تتعالى عليهم، وبقي قريبا من الناس يتعامل معهم ببساطة وود، ما اكسبه احتراما واسعا، كما أن علاقته مع الفصائل الأخرى والتي اتسمت بالانفتاح والاحترام ساعدته على بناء جسور في أوقات الانقسام. هذه السمات ساهمت في توسيع وتعميق علاقات جبهة النضال الشعبي الفلسطيني مع دول عربية واشتراكية على اساس الاحترام المتبادل، واسهمت في ترسيخ صورته “فارس القدس” اعترافا وتقديرا لدوره في الدفاع عن المدينة وقضيتها.
اليوم وفي ذكرى رحيله في الثالث من آب ٢٠٠٩، تحمل جبهة النضال بأمينها العام الدكتور أحمد مجدلاني وقيادتها وكوادرها واعضاءها الأمانة بكل صدق واخلاص رغم كل التحولات والمتغيرات في الإقليم والعالم، ثابتة في الحفاظ على استقلاليتها، رافضة للتبعية، مدافعة عن القرار الفلسطيني المستقل وعن المشروع الوطني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ومتصدية لكل محاولات التهميش وخلق البدائل والمشاريع المستوردة من خارج الحدود، ورائدة في استنهاض عمل مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الوطنية.