زمن الاحتلال


بقلم: د. أحمد مجدلاني
تدخل المنطقة مرحلة جديدة من التوتر والتصعيد، في ظل إصرار حكومة بنيامين نتنياهو على مواصلة سياسات العدوان والتوسع وفرض الوقائع بالقوة، بالتزامن مع زيارته إلى واشنطن التي جاءت في سياق محاولة إعادة ترتيب الأولويات الإسرائيلية لدى الإدارة الأميركية، وتعزيز الدعم السياسي لمشروع اليمين المتطرف القائم على تكريس الاحتلال والاستيطان ورفض أي مسار سياسي يستند إلى الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
لقد جاء لقاء نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في لحظة إقليمية دقيقة، حيث تصدر الملف الإيراني جدول المباحثات، في ظل طرح ثلاث مسارات محتملة للتعامل مع طهران: التوصل إلى اتفاق، أو استمرار سياسة الحصار والضغط، أو العودة إلى الخيار العسكري، ورغم إعلان نتنياهو أنه لم يسعَ إلى فرض خيار محدد على الرئيس الأميركي، فإن طبيعة النقاش تعكس استمرار محاولات إسرائيل التأثير في القرار الأميركي، ودفع واشنطن نحو تبني مقاربة أمنية تتوافق مع رؤيتها ومصالحها الإقليمية.
ولا يمكن فصل التركيز الإسرائيلي على الملف الإيراني عن محاولات حكومة نتنياهو إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وتوظيف المخاوف الدولية لتعزيز موقع إسرائيل السياسي والعسكري، وتقديمها باعتبارها الطرف القادر على تحديد طبيعة التهديدات وأولويات الأمن الإقليمي، في الوقت الذي يجري فيه تجاهل جوهر الأزمة المتمثل في استمرار الاحتلال والعدوان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية.
وبينما تنشغل المحادثات الإسرائيلية الأميركية بالملفات الإقليمية، يواصل الشعب الفلسطيني مواجهة حرب مفتوحة في الضفة الغربية، تتجسد في تصعيد جيش الاحتلال، وتنامي اعتداءات المستوطنين، وتوسيع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، ومحاولات التهجير القسري، ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يخدم مشروع الضم والاستعمار الاستيطاني.
إن ما يجري في الضفة الغربية ليس تصعيداً أمنياً عابراً، بل هو تعبير عن استراتيجية إسرائيلية رسمية تسعى إلى تحويل الاحتلال من حالة مؤقتة إلى نظام دائم من السيطرة والهيمنة، فحكومة نتنياهو، بدعم القوى الأكثر تطرفًا وعنصرية داخل ائتلافها الحاكم، تعمل على خلق وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة تقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتغلق الطريق أمام أي حل سياسي عادل.
لقد أصبحت اعتداءات المستوطنين جزءاً من منظومة الاحتلال اليومية، بعد أن وفرت لها الحكومة الإسرائيلية الغطاء السياسي والحماية العسكرية والقانونية، ولم تعد هذه الاعتداءات ممارسات فردية، بل تحولت إلى أداة منظمة تستهدف القرى والتجمعات الفلسطينية، وتهدد أمن المواطنين، وتسعى إلى دفعهم لمغادرة أراضيهم، خصوصاً في المناطق الريفية والبدوية والأغوار.
فالاستيطان الإسرائيلي ليس مجرد توسع جغرافي، بل مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل يهدف إلى السيطرة على الأرض والموارد وتفتيت المجال الفلسطيني، فالمستعمرات تعمل على تقطيع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى، وإعادة إنتاج منظومة من التبعية والسيطرة، بما يضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على بناء اقتصاد مستقل وتعزيز صموده.
ويكشف التصعيد العسكري في شمال الضفة، وخاصة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، عن محاولة واضحة لتوسيع نموذج الحرب والدمار الذي شهدته غزة، عبر الاقتحامات الواسعة، وتدمير البنية التحتية، وتهجير السكان، واستهداف المخيمات باعتبارها رموزاً للهوية الوطنية الفلسطينية وشواهد حية على قضية اللاجئين وحق العودة.
كما أن استمرار حكومة الاحتلال في توظيف التصعيد لأهدافها الداخلية يكشف طبيعة الأزمة التي يعيشها اليمين الإسرائيلي، فنتنياهو يسعى إلى إبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة تعبئة أمنية دائمة، وتحويل الصراع مع الشعب الفلسطيني إلى ورقة سياسية وانتخابية، للتغطية على أزمات حكومته وتعزيز موقع القوى المتطرفة.
إن ما كشفه لقاء ترامب ونتنياهو يؤكد أن إدارة ملفات المنطقة ما زالت أسيرة المنطق الأمني والعسكري، في وقت تحتاج فيه الشعوب إلى مقاربة جديدة تقوم على إنهاء الاحتلال، واحترام القانون الدولي، ومعالجة جذور الصراع بدل الاكتفاء بإدارة أزماته، فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يبنى على الحروب والهيمنة، ولا يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة مع استمرار إنكار حقوق الشعب الفلسطيني.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الاحتلالات، مهما امتلكت من قوة عسكرية ودعم سياسي، لا تستطيع إلغاء إرادة الشعوب أو مصادرة حقها في الحرية، فالشعب الفلسطيني، رغم حجم المعاناة والدمار والضغوط، يواصل الدفاع عن وجوده وحقوقه، مستنداً إلى عدالة قضيته وإلى تضامن القوى والشعوب الحرة في العالم.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، تزداد أهمية بناء حركة تضامن عالمية واسعة مع الشعب الفلسطيني، تقوم على الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فالقضية الفلسطينية لم تعد اختباراً للعدالة الدولية فحسب، بل أصبحت معياراً لمصداقية القيم التي ترفعها القوى العالمية.
كما أن اتساع دائرة الانتقادات داخل إسرائيل نفسها لسياسات حكومة نتنياهو، من شخصيات عسكرية وأمنية وسياسية سابقة، يؤكد أن مشروع اليمين المتطرف لا يهدد الشعب الفلسطيني وحده، بل يهدد مستقبل المنطقة واستقرارها، ويعمق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.
إن المطلوب فلسطينياً في هذه المرحلة هو تجاوز حالة الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج ديمقراطي ونضالي جامع، يعزز صمود المواطنين، ويطور أدوات النضال الشعبي والسياسي والقانوني في مواجهة الاحتلال، فالمواجهة مع الاحتلال ليست عسكرية فقط، بل معركة شاملة على الأرض والاقتصاد والوعي والثقافة، ومن هنا فإن حماية الهوية الوطنية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق العمال والفئات الشعبية المتضررة من الاحتلال، تشكل جزءاً أساسياً من معركة التحرر الوطني.
إن “زمن الاحتلال” الذي يحاول نتنياهو وحكومته تكريسه كمرحلة دائمة لن يكون قدراً محتوماً، فالتاريخ يؤكد أن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها قادرة على الصمود والانتصار مهما طال أمد القهر.
ومن هنا تتضاعف مسؤولية القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية الفلسطينية والعربية والدولية في بناء أوسع جبهة تضامن ومقاومة سياسية وشعبية، لمواجهة الاحتلال والاستيطان والعنصرية، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، فمهما طال زمن الاحتلال، تبقى إرادة الشعوب أقوى من محاولات السيطرة والقمع، وتبقى الحرية حقاً لا يسقط بالتقادم.
“نضال الشعب”