أقلام وآراء

هدنة ملغومة

 

بقلم: محمد علوش

لم يعد الاشتباك الأميركي ـ الإيراني نزاعاً تقنياً حول نسب التخصيب وآليات الرقابة النووية، ولا تنافس تقليدي على النفوذ في الشرق الأوسط، بل بات تعبيراً مكثفاً عن أزمة أعمق تضرب بنية الهيمنة الأميركية نفسها، في لحظة يتفلّت فيها الإقليم من خرائط الضبط القديمة، وتتراجع فيها قدرة واشنطن على فرض إرادتها بوصفها القوة الوحيدة القادرة على الحسم، وفي قلب المشهد، يتكشف الدور الوظيفي لإسرائيل بوصفها الذراع المتقدمة لمشروع إعادة هندسة المنطقة بالقوة، لا باعتبارها حليف إقليمي، بل أداة دائمة لإنتاج الحروب وإعادة ترتيب موازين القوى بما يضمن استمرار التفوق الأميركي ـ الإسرائيلي.

من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى العدوان على إيران بوصفه رداً عسكرياً على «تهديد» مزعوم، بل محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة وفرض تسوية كبرى بالقوة، تعيد تثبيت موقع الولايات المتحدة وحلفائها في لحظة اختلال دولي متسارع، غير أن ما تكشّف سريعاً هو أن واشنطن استطاعت إشعال الحرب، لكنها لم تستطع التحكم بمساراتها أو ضمان نتائجها السياسية، وهنا بالضبط تتبدى الأزمة: فالقوة العسكرية، مهما بلغت كثافتها، لا تنتج بالضرورة إنجازاً سياسياً مستقراً، ولا تتحول تلقائياً إلى تسوية قابلة للحياة.

هذا هو المأزق الذي وجدت إدارة دونالد ترامب نفسها فيه، فالرجل الذي قدّم نفسه بوصفه رجل «الصفقات» لم ينجح في تحويل العدوان إلى صفقة واضحة المعالم تكرّس ما ادعى أنه حققه بالقوة، وبدلاً من اتفاق حاسم، انتهى المشهد إلى «مذكرة تفاهم» رخوة وملتبسة، تصلح لإدارة الغموض أكثر مما تصلح لحسم النزاع، فقد تركت لكل من واشنطن وطهران هامشاً واسعاً لتفسير بنودها وفق حاجاته الداخلية وحساباته التفاوضية المقبلة، بما يجعلها أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى تسوية نهائية.

لقد انطلقت الإدارة الأميركية، على ما يبدو، من تصور مبسط وخطير في آن: إمكان إخضاع إيران عبر الجمع بين الصدمة العسكرية والإغراء الاقتصادي؛ أي توجيه ضربة قاسية تحدث خلخلة في بنية القرار الإيراني، وتستنزف قدراته العسكرية والاقتصادية، ثم تدفعه إلى القبول بتسوية تقيّد برنامجه النووي، وتعيد ضبط دوره الإقليمي، وتفتح الاقتصاد الإيراني أمام الرأسمال الأميركي، لكن هذا التصور أغفل حقيقة أساسية: أن الدول لا تقاس فقط بحجم ما تتلقاه من ضربات، بل أيضاً بقدرتها على امتصاصها، وإعادة توزيع أثمانها على خصومها، وتحويل التهديد نفسه إلى أداة تفاوض مضادة.

وهذا ما فعلته إيران، فمنذ اللحظة الأولى، تعاملت مع العدوان باعتباره اختباراً استراتيجياً يمس مكانتها الإقليمية وبقاء نظامها السياسي، لا مجرد جولة عسكرية محدودة، لذلك، لم يقتصر ردها على الدفاع المباشر، بل انصرف إلى رفع كلفة الحرب إلى أقصى حد، وفتح الباب أمام احتمال توسيع الاشتباك ليطال شرايين الطاقة والملاحة والتجارة الدولية، وهنا ظهرت نقطة التحول الحاسمة، فالحرب التي أرادتها واشنطن أداة ضغط على طهران، سرعان ما حملت في داخلها عناصر تهديد للاقتصاد العالمي نفسه، فتعطيل حركة النفط أو تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز لا يعني إنهاك إيران وحدها، بل يعني أيضاً زعزعة الأسواق ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها.

لهذا، لم تدخل طهران المفاوضات من موقع المنكسر، كما أرادت واشنطن، بل من موقع الطرف القادر على الصمود والمناورة ورفع سقف مطالبه، وقد استفادت من إدراكها أن خصمها ليس في وضع يسمح له بإطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية، لا بسبب الكلفة العسكرية والاقتصادية فحسب، بل أيضاً بفعل الضغوط السياسية المتنامية داخل الولايات المتحدة نفسها، ومن هنا، يمكن قراءة «مذكرة التفاهم» بوصفها ثمرة توازن قلق بين حاجتين متعارضتين: حاجة واشنطن إلى الخروج من المأزق من دون هزيمة ظاهرة، وحاجة طهران إلى تثبيت قدرتها على الصمود وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية من دون أن تبدو في موقع المتراجع تحت النار.

غير أن العقدة الحقيقية لم تحل، بل أُعيد تأجيلها إلى ساحة التفاوض المقبلة، وهي العقدة النووية تحديداً، فهنا يتكثف الصراع الحقيقي بين الطرفين، وهنا أيضاً تتحدد قيمة الحرب وجدوى التفاوض، فالولايات المتحدة، وترامب خصوصاً، لا يستطيعان سياسياً القبول باتفاق يبدو أقل تشدداً من اتفاق عام 2015، ولذلك ستدفع واشنطن نحو إجراءات ملموسة تتعلق بتقليص مخزون اليورانيوم المخصب، وتجميد التخصيب عند مستويات محددة، وتوسيع آليات الرقابة والتفتيش، بما يتيح لترامب تسويق الاتفاق بوصفه إنجازاً يفوق ما حققه سلفه.

في المقابل، لن تنظر إيران إلى ملفها النووي بوصفه مسألة تقنية قابلة للمساومة المجردة، بل بوصفه عنواناً للسيادة وورقة ردع وموقعاً تفاوضياً متقدماً، لذلك، فإن أي تنازل جوهري لن تقدمه إلا مقابل ثمن ثقيل: رفع فعلي للعقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وفتح المجال أمام التعافي الاقتصادي، وربما انتزاع تفاهمات غير معلنة تتصل بدورها الإقليمي وحدود الضغط الأميركي في ملفات الجوار.

لكن المشهد يزداد تعقيداً إذا قرئ من زاوية إسرائيل، التي لم تنظر إلى الحرب على إيران بوصفها وسيلة لتعديل سلوكها النووي فحسب، بل بوصفها فرصة لإحداث كسر استراتيجي شامل في بنية الخصم الإيراني وتقويض دوره الإقليمي، ولهذا، فإن أي تفاهم أميركي ـ إيراني لا يفضي إلى هذه النتيجة سينظر إليه في إسرائيل بوصفه تسوية ناقصة، أو تراجعاً عن الأهداف الأصلية للحرب، ومن هنا، ستبقى إسرائيل عاملاً تخريبياً ضاغطاً باتجاه توسيع الاشتباك أو تفجير ساحات جديدة إذا رأت أن التفاهم الجاري يحد من قدرتها على فرض شروطها في الإقليم.

ولا تنفصل القضية الفلسطينية عن هذا المشهد، بل تقع في صميمه، فالحرب على إيران، كما غيرها من الحروب الأميركية ـ الإسرائيلية في المنطقة، ترتبط بمحاولة إعادة ترتيب الشرق الأوسط على نحو يضمن أمن إسرائيل وتفوقها، ويضعف كل القوى الرافضة لهذه المعادلة، ومن هنا، فإن تصعيد المواجهة مع إيران لا ينفصل عن السعي إلى خلق بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لاستكمال حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، ومواصلة تصفية قضيته الوطنية عبر القتل والحصار والتجويع والتهجير، وما يجري في غزة والضفة والقدس ليس هامشًا في هذه الصورة، بل مركزها السياسي والأخلاقي.

وعليه، لا تبدو «مذكرة التفاهم» الحالية سوى هدنة ملغومة، قابلة للانفجار عند أول اختبار جدي، فالمفاوضات النووية مرشحة للتعثر، والتيارات المتشددة في إيران لن تمنح أي تنازل مجاني شرعية داخلية، وإدارة ترامب قد تعود إلى لغة الابتزاز إذا شعرت بأن الوقت لا يعمل لصالحها، فيما ستواصل إسرائيل لعب دور المخرّب الدائم لأي مسار لا يحقق لها كسراً استراتيجياً واضحاً، لذلك، فإن ما نشهده ليس بداية سلام، بل إعادة تموضع مؤقت فوق فوهة صراع لم تمسّ أسبابه العميقة بعد: الهيمنة الأميركية، والعدوان الإسرائيلي، وغياب العدالة للشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى