البيادق لا تختار الملوك


البيادق لا تختار الملوك: (إسرائيل) وإيران في لعبة الشطرنج الأمريكية
بقلم: نسيم قبها
في عالم العلاقات الدولية، حيث تتقاطع المصالح وتتصارع الإرادات، تظل الحقيقة الأكثر إزعاجًا للساسة والجماهير على حد سواء هي أن الدول لا تعرف الولاءات الأبدية، بل المصالح المتغيرة. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية العميقة: بينما يصرّ القادة (الإسرائيليون)، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، على بناء خطابهم السياسي على فرضية “العلاقة الخاصة” مع أمريكا، فإن الواقعية السياسية بمنظورها المكيافيلي تؤكد أن الدولة العظمى لا ترى الدولة الصغرى أداة قابلة للاستخدام والتوظيف، ثم للإهمال والتجاوز عند أول تعارض مع المصلحة الذاتية.
هذه الورقة تحاول تفكيك العلاقة الأمريكية – (الإسرائيلية) من خلال عدسة فلسفية سياسية، مركزة على أن (إسرائيل) وإيران ليستا في التحليل النهائي سوى لعبة شطرنج في رقعة المصالح الأمريكية، حيث القطع تتحرك وتُضحى بها وفقًا لحسابات استراتيجية باردة.
أولًا: المذهب الواقعي وتجليات “أمريكا أولًا”
إن المذهب الواقعي في العلاقات الدولية، كما صاغه كبار المنظرين مثل هانز مورغنثاو ورايموند آرون، يقوم على فكرة أن الدول تتصرف وفقًا لمصالحها المحددة بقوة، وليس وفقًا للمبادئ الأخلاقية أو الالتزامات التحالفية. وهذا ما يجسد شعار “أمريكا أولًا” في جوهره الفلسفي؛ فهو ليس شعار انتخابي، بل تعبير عن فلسفة سياسية كاملة ترى أن أي تحالف، مهما كان تاريخيًا وعاطفيًا، يجب أن يُخضع للاختبار العملي للعائد الاستراتيجي.
إن تصريح ترامب بأن (إسرائيل) كانت ستُدمّر لولاه، هو تأكيد صريح لهذه الرؤية: أمريكا هي الفاعل، وإسرائيل المفعول به. فمن منظور واشنطن، (إسرائيل) لم تكن يومًا شريكًا ندًا، بل كانت مشروعًا جيوسياسيًا أمريكيًا، تأسس لحماية المصالح النفطية في المنطقة، وضمان توازن قوى يخدم الهيمنة الغربية. وكما يقول الفيلسوف توماس هوبز في كتابه “الطاغوت”: “الإنسان ذئب لأخيه”، لكننا في عالم السياسة الدولية يمكننا إعادة الصياغة: “الدولة العظمى ذئب للدولة الصغرى” عندما تتعارض المصالح.
ثانيًا: (إسرائيل) كأداة لا كغاية المفارقة الفلسفية التي يعيشها القادة الصهيونيون هي أنهم يظنون أنفسهم شركاء في صنع القرار، بينما هم في الحقيقة مجرد أدوات تنفيذية. هذا الوهم يذكرنا بمفهوم “الوعي الزائف” عند الفيلسوف كارل ماركس، حيث تعتقد الجماعة أنها تتحكم في مصيرها، بينما هي في واقع الأمر خاضعة لقوى اقتصادية وسياسية أكبر منها.
إن الهجوم المشترك على إيران، والذي عارضه ثلثا الشعب الأمريكي، ثم الاتفاق المنفرد بين واشنطن وطهران، يكشفان هذه الحقيقة بوضوح: أمريكا تستخدم (إسرائيل) كورقة ضغط، تتجاوزها عندما تحين لحظة الصفقة. وهذا ليس خيانة بالمعنى الأخلاقي، بل براغماتية سياسية خالصة، تذكرنا بمقولة نيكولو مكيافيلي: “إن الأمير الحكيم يجب أن يبني سياسته على ما يمكن تحقيقه واقعيًا، لا على ما ينبغي أن يكون مثاليًا”.
(فإسرائيل)، في هذا السياق، هي بمثابة “الرافعة” التي ترفع بها أمريكا أثقالها في المنطقة، ثم تتركها جانبًا عندما لا تعود الحاجة إليها. أما إيران، فهي “الخصم المدبّر” الذي يُبقى على قيد الحياة بقدر ما يخدم أغراض أمريكا في إبقاء المنطقة في حالة من التوازن الهش.
ثالثًا: النسبية الأخلاقية في السياسة الخارجية الأمريكية
المقالات التحليلية التي تتحدث عن “العلاقة الخاصة” بين أمريكا و(إسرائيل) تغفل عن حقيقة فلسفية أساسية: الأخلاق في السياسة الدولية نسبية، وغير مطلقة. فما يعتبر خيانة (لإسرائيل)، قد يكون من منظور أمريكي تصرفًا أخلاقيًا لأنه يحمي حياة الجنود الأمريكيين، أو يضمن استقرار أسعار النفط، أو يفتح أسواقًا جديدة للسلاح الأمريكي.
إن اتفاق أمريكا مع إيران هو تجسيد لهذه النسبية الأخلاقية. فمن ناحية، كان الخطاب الأمريكي الرسمي طوال سنوات يصف إيران بأنها “دولة مارقة” و”راعية للإرهاب”. لكن عندما تغيرت المصالح، تغير الخطاب، وأصبحت إيران شريكًا في الاتفاق. هذه المرونة الأخلاقية هي التي جعلت الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه يصف الأخلاق بأنها “إرادة القوة”، وأن القوي هو من يخلق قيمه الخاصة، بينما يلتزم الضعيف بقيم الآخرين.
وهذا ينطبق تمامًا على (إسرائيل)، التي كانت دائمًا في موقع الضعيف أخلاقيًا وسياسيًا، لأنها بحاجة إلى أمريكا أكثر من حاجة أمريكا إليها. ومن هنا، فإن غضب نتنياهو من الاتفاق مع إيران هو غضب المستضعف الذي يكتشف أنه كان مجرد وقود في محرك المصالح الأمريكية، وليس سائق هذه المحرك.
رابعًا: التحولات الجيلية وسقوط الأسطورة
الاستطلاعات التي تشير إلى تراجع الدعم الشعبي الأمريكي (لإسرائيل)، وخصوصًا بين الأجيال الشابة من الجمهوريين، تعكس تحولًا فلسفيًا في الوعي الجماعي الأمريكي. فجيل ما بعد الحرب الباردة لم يعد يرى العالم من خلال عدسة ثنائية قطبية (معسكر الحرية مقابل معسكر الشيوعية، أو الديمقراطية مقابل الديكتاتورية)، بل من خلال عدسة نفعية عملية: ما الفائدة التي تعود على أمريكا من هذا التحالف؟
هذا التحول يمكن قراءته من خلال فلسفة البراغماتية الأمريكية، كما صاغها ويليام جيمس وجون ديوي، التي ترى أن الحقيقة هي ما يعمل ويفيد، وليس ما يتوافق مع مبادئ مجردة. بالنسبة لجيل الألفية الأمريكي، (إسرائيل) لم تعد تقدم فائدة واضحة، بل أصبحت تظهر كمصدر للصراعات التي تكلف أمريكا أموالًا وأرواحًا، دون عائد استراتيجي واضح.
وفي المقابل، فإن إيران، التي كانت حتى وقت قريب شيطانًا مطلقًا في الوعي الأمريكي، بدأت تظهر كدولة يمكن التعامل معها، خصوصًا عندما تكون الصفقة الاقتصادية أو الأمنية مجزية. هذا التحول في الوعي يذكرنا بمفهوم “الآخر” عند الفيلسوف إيمانويل ليفيناس، حيث يُبنى الآخر على أساس الاختلاف، لكن وعي الذات قد يتغير عندما تتغير المصالح، فيصبح الآخر شريكًا بدلًا من عدو.
خامسًا: الاستثنائية الأمريكية كغطاء للمصالح
لا يمكن فهم السياسة الأمريكية تجاه (إسرائيل) وإيران دون تحليل مفهوم “الاستثنائية الأمريكية”، الذي يقول إن لأمريكا دورًا خاصًا في التاريخ، ومسؤولية أخلاقية تجاه العالم. هذا المفهوم، الذي صاغه أليكسي دو توكفيل في القرن التاسع عشر، أصبح اليوم مجرد غطاء أيديولوجي لمصالح أمريكية بحتة.
فمن ناحية، تستخدم أمريكا خطاب الاستثنائية لتبرير دعمها (لإسرائيل) باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، ومن ناحية أخرى، تستخدم نفس الخطاب لتبرير التعامل مع إيران عندما يكون ذلك مفيدًا، بحجة أن أمريكا “تسعى للسلام”. لكن الحقيقة، كما يرى الفيلسوف ميشال فوكو، أن الخطابات هي أدوات للسلطة، وليست تعبيرًا عن حقائق موضوعية.
إن أمريكا، من خلال خطاباتها المتغيرة، تمارس ما يمكن تسميته بـ”السيادة الخطابية”، حيث تعيد تعريف من هو الصديق ومن هو العدو وفقًا لجدول أعمالها الخاص. (إسرائيل) كانت صديقًا عندما كانت أداة فعالة، وستصبح عبئًا عندما تفقد هذه الفعالية. أما إيران، فكانت عدوًا عندما كانت عقبة، وستصبح شريكًا عندما تكون ممرًا للمصالح.
سادسًا: (إسرائيل) بين التبعية والاستقلال الوهمي
إن تصريحات نتنياهو الأخيرة عن رغبته في إنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية، وإنهاء التبعية خلال عقد، تعكس وعيًا متأخرًا بحقيقة التبعية. لكن السؤال الفلسفي المطروح: هل يمكن لدولة طارئة بحجم (إسرائيل) ، في محيط معادٍ ومعقد، أن تحقق استقلالًا حقيقيًا عن أمريكا؟ الإجابة، في ضوء الواقعية السياسية، هي لا.
العلاقة بين أمريكا و(إسرائيل) تذكرنا بمفهوم “الهيمنة” عند أنطونيو غرامشي، حيث تمارس الدولة المهيمنة سلطتها ليس فقط بالقوة المادية، بل بتشكيل وعي التابعين وقبولهم بالتبعية. نتنياهو ظل طوال سنوات يروي (لإسرائيليين) قصة “العلاقة الخاصة” حتى أصبحت حقيقة لا تقبل الجدل في وعيهم الجمعي. لكن عندما كشفت أمريكا أوراقها، واكتشف (الإسرائيليون) أنهم كانوا مجرد بيادق، أصبح الأمر أشبه بصدمة الفلسفي: اكتشاف أن العالم ليس كما صوره لنا الخطاب السياسي.
تأملات في اللعبة الأبدية
في النهاية، تبقى الحقيقة الفلسفية الأكثر إيلامًا (لإسرائيل) وإيران على حد سواء: كلتاهما ليستا إلا أدوات في لعبة المصالح الأمريكية، وأن واشنطن لا تبني سياستها على أسس أخلاقية أو تحالفات أبدية، بل على حسابات باردة للقوة والمصلحة.
وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال أخلاقي وسياسي كبير: هل يمكن للدول الصغيرة أن تحقق استقلالًا حقيقيًا في عالم تسوده قوى كبرى؟ الإجابة، وفقًا للفلسفة السياسية الواقعية، هي بالكاد. ففي عالم مثل عالمنا، حيث الفوضى هي القاعدة والسيادة نسبية، تظل الدول الصغيرة أسيرة للعبة الكبار، ما لم تكتسب قوة ذاتية، أو تتحد في كيانات إقليمية قادرة على الموازنة.
أما أمريكا، فستبقى وفية لمبدأها الأسمى: مصلحتها أولًا، وكل الآخرين، مهما كانت أواصر العلاقة، هم مجرد قطع في رقعة شطرنج لا تعرف الرفق، بل تعرف الكش والكش مات.