أقلام وآراء

فلسطين الغائبة

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

لم يكن الاتفاق الأميركي ـ الإيراني الأخير وانطلاق المفاوضات بين الجانبين بمشاركة الوسطاء بسويسرا، مجرد تفاهم تقني لوقف إطلاق النار، ولا تسوية عابرة بين خصمين اعتادا إدارة الصراع عبر الرسائل المتبادلة والاشتباك المحسوب أو عبر الوكلاء بالمنطقة، فالنص واضح لا لبس فيه «وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان» فتح الباب أمام تحوّل سياسي يتجاوز حدود الميدان، ويطال شكل التوازنات الإقليمية نفسها، ويعيد طرح سؤال جوهري عن الجبهة التي ما تزال تستثنى دائمًا من أي تهدئة حقيقية: فلسطين.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن إدراج لبنان في الاتفاق لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل نتيجة إصرار إيراني على ربط الساحة اللبنانية بمسار المفاوضات مع الولايات المتحدة الامريكية وهو ما يعني إنهاء الفصل ما بين المسارات وهو ما سعى له في لبنان، وما يتمناه نتنياهو للاستفراد بلبنان واستمرار هدنة بدون وقف لإطلاق النار ما يتيح له فرصة لتوظيف الوضع بالانتخابات القادمة.

انعكس ذلك سريعاً على السلوك الأميركي تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت واشنطن من موقع الدعم المطلق للهجوم الإسرائيلي إلى موقع الضغط العلني على حكومة الاحتلال، بما في ذلك الانتقادات الحادة التي وجّهت إلى القيادة الإسرائيلية من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، وبفعل هذا الضغط، أخذ المشهد اللبناني منحى مختلفاً، سواء في المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي استؤنفت في واشنطن، أم في الحديث عن ترتيبات ميدانية جنوب لبنان برعاية أميركية تفضي إلى تسليم بعض المناطق للجيش اللبناني.

هذا التحول لا يمكن فصله عن صورة المنطقة الأوسع، فإسرائيل، التي خاضت حرباً مفتوحة على لبنان منذ انخراط حزب الله في جولة المساندة لطهران في آذار/مارس 2026، وجدت نفسها أمام قيد سياسي جديد؛ إذ لم يعد القرار العسكري حرّاً كما كان، ولم تعد الجبهة اللبنانية متروكة بالكامل لرغبات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لذلك لم يكن غريباً أن ترتفع الأصوات الإسرائيلية المحذّرة من «إدخال إيران» إلى الملف اللبناني، أو أن يعبّر قادة عسكريون عن شعورهم بأن قواتهم باتت رهينة حسابات دبلوماسية تتجاوز الميدان نفسه، وفي الجوهر، كانت إسرائيل تواجه للمرة الأولى منذ أشهر حقيقة أن فائض القوة العسكرية لا يكفي دائماً لفرض الوقائع حين تتدخل اعتبارات إقليمية ودولية تعيد ضبط حدود الحركة.

غير أن ما يلفت الانتباه حقاً ليس ما شمله الاتفاق، بل ما استبعده، فبينما أُدرج لبنان ضمن معادلة التهدئة، بقيت فلسطين خارج هذا الإطار، وكأن الحرب عليها ليست جزءًا من حروب المنطقة، أو كأن الدم الفلسطيني لا يدخل في تعريف «كل الجبهات»، وهنا تكمن المعضلة السياسية والأخلاقية معاً: فالإقليم يتحرك، والتوازنات يعاد رسمها، والخرائط الأمنية تتبدل، لكن فلسطين تظل في موقع الاستثناء السلبي، تترك لموازين القوة العارية ولشهية العدوان الإسرائيلي المفتوح.

والحال أن هذا الاستثناء ليس مجرد سهو في النصوص، بل يعكس طبيعة النظام الإقليمي والدولي الذي يدار به الصراع، فمنذ وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لم تتوقف إسرائيل عن تقويض الاتفاق عملياً، فقتلت مئات الفلسطينيين بعد سريان التهدئة، وارتكبت مئات الخروقات، فيما واصلت تقليص المساعدات وعرقلة الانسحاب من المناطق المتفق عليها، بل وتقدمت قوات الاحتلال إلى ما بعد الخطوط التي كان يفترض أن تتراجع إليها، وهكذا تعاملت إسرائيل مع الاتفاق بوصفه أداة لإعادة التموضع لا التزاماً سياسياً أو قانونياً، مستفيدة من غياب أي إرادة أميركية حقيقية لفرض تنفيذ بنوده.

وتكرر الأمر ذاته في المسار التفاوضي المتعلق بغزة، فبعد مؤشرات أولية أوحت بإمكان البناء على ورقة تفاوضية قدّمها نيكولاي ملادينوف وخلقت مناخاً إيجابياً، عاد المسار إلى الخلف مع طرح ورقة جديدة ردا على ملاحظات حركة حماس بدت أقرب إلى إعادة إنتاج الشروط الإسرائيلية منها إلى تقريب وجهات النظر، وبذلك لم تعد المفاوضات ساحة للبحث عن وقف العدوان أو تخفيف الكارثة الإنسانية، بل مساحة لإدارة الوقت واستنزاف الطرف الفلسطيني المفاوض العاري من غطاء الشرعية سياسياً وميدانياً.

ما تكشفه هذه الوقائع أن الضغط الإيراني، على الرغم من قدرته على فرض حضور لبنان داخل التفاهمات، لم يحاول فرض فلسطين ليس بوصفها مركز الصراع ومفتاح الاستقرار الإقليمي بل لكونها أداة استخدامية وظفتها إيران طيلة العقود الماضية، كما تكشف، في الوقت نفسه، محدودية الدور العربي الرسمي وعجزه عن تحويل حضوره السياسي رغم امتلاكه لمبادرة السلام العربية التي تشكل أساسا لأي حل إقليمي شامل إلى قوة ضغط فعلية لمسار سياسي يضمن الأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة، أو تلزم واشنطن وتل أبيب باحترام أي تفاهم لوقف الحرب في قطاع غزة والضفة الغربية، فالقضية الفلسطينية، رغم مركزيتها التاريخية، تبدو اليوم وكأنها مؤجلة في حسابات كثير من الفاعلين، أو موضوعة في خانة الإدارة لا الحل، والاحتواء لا الإنصاف.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أثر الاتفاق الأميركي ـ الإيراني؛ فهو، من حيث المبدأ، أوقف اندفاعة إسرائيلية كانت تسعى إلى توسيع الحرب وتحويلها إلى مواجهة إقليمية شاملة ضد إيران ولبنان، ووضع حدوداً جزئية لنزعة القوة الإسرائيلية المنفلتة، لكنه يطرح، في المقابل، احتمالاً آخر لا يقل خطورة: أن تلجأ حكومة الاحتلال، بدافع الإحباط من القيود المفروضة عليها في لبنان وإيران، إلى تعويض ذلك بتصعيد أكبر ضد الفلسطينيين، سواء عبر تسريع الاستيطان والضم والتهويد في الضفة، أو مواصلة الإبادة والتطهير في غزة.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا غيّر الاتفاق الأميركي ـ الإيراني في خرائط النفوذ؟ بل أيضاً: لماذا ما تزال فلسطين خارج أولويات التسويات الإقليمية؟ وأي استقرار يمكن أن يبنى في المنطقة فيما تترك القضية الفلسطينية تحت وطأة الحرب المفتوحة والاقتلاع والإنكار السياسي؟

إن أي ترتيبات أمنية أو سياسية لا تضع فلسطين في مركزها ستبقى ناقصة وقابلة للانفجار في أي لحظة، فالقضية الفلسطينية ليست ملفاً جانبياً في الشرق الأوسط، بل هي العقدة التي تتقاطع عندها كل تناقضات الإقليم: الاحتلال، والهيمنة، والتطبيع، والعنف، وفشل النظام الدولي في إنتاج عدالة حقيقية، ولذلك فإن اختبار أي اتفاق جديد لا يكون فقط في عدد الجبهات التي يهدئها، بل في قدرته على كسر الاستثناء الفلسطيني وإعادة القضية إلى مكانها الطبيعي: بوصفها جوهر الصراع لا هامشه، ومفتاح السلام لا عبئه المؤجل.

زر الذهاب إلى الأعلى