وعي محاصر وانتصارات من ورق


بقلم: د. فريد اسماعيل
نحصد ما نزرع، هو منطق الطبيعة منذ الأزل، فالناتج النهائي دائما مرتبط بالبدايات إذ لا يمكن إفراز مجتمع حر حين تتم محاصرة الفكر منذ الطفولة بأفكار مغلقة، ولا يستطيع من تم غسل عقله منذ البدء وغرست فيه بذور الارتهان والتبعية والولاء لشخص أو فكر مغلق أن يفهم معنى الحرية أو الديمقراطية، لأن للديمقراطية بنظره مسار واحد فقط هو الايمان بما يؤمن به هو أو على الأصح بناتج ما تم غرسه في عقله، ناتج حوله إلى رهينة محاطة بألف سور. هي عملية ممنهجة ومنظمة بشكل دقيق تشل الفكر وتشرده وتفقده القدرة على إيقاظ الوعي العقلاني القادر على المقارنة والتحليل والتفكير الموضوعي، بل تتكرس عند هذه الفئة القناعة بأن التفكير خطيئة لأن هناك من يفكر ويقرر نيابة عنهم. انه واقع بعض شرائح مجتمعاتنا العربية ومصدر العديد من أزماته الجوهرية وحتى المصيرية. فالسيطرة على الوعي الجمعي واغراقه بخوارزميات الانتصارات الوهمية والسرديات المضخمة لأمجاد الماضي ووعود المستقبل، تشكل الوصفة السحرية المثالية للتفكك المجتمعي وتشويه معنى الانتماء، فيتم تراكم الخسائر باعتبارها انتصارات، والتسليم باعتبار الدمار والابادة وفقدان الأرواح ثمنا واجبا دفعه لبقاء ولاة الأمر وفكرهم ومشروعهم، وهنا تصبح أي محاولة لبناء الدولة كالسير بين النار والنار. هذا التشوه الفكري كان الدافع على صعيد المثال لخروج الملايين من العرب في مصر وبلدان عربية أخرى إلى الشوارع احتفالا وابتهاجا بعودة الرئيس جمال عبد الناصر عن استقالته بعد نكسة عام ١٩٦٧ باعتباره انتصارا ساحقا على الصهاينة، مع أن الحقيقة كانت ان إسرائيل حينها قد احتلت خلال أيام معدودات شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان السوري. تلك المساحات الشاسعة والتي فاقت آنذاك مساحة دولة الاحتلال بما يقارب الخمسة أضعاف اعتبرها الفكر العربي المحاصر خسائر جانبية مقبولة إذا ما قورنت بالنصر المؤزر المتمثل بعودة الزعيم عن استقالته.
هي المنهجية ذاتها احترفها النظام السوري السابق حين ربط وجود الدولة السورية ب” القائد الخالد”، فكان شعار ” الأسد إلى الابد” الحقنة اليومية التي يتم حقن الوعي السوري بها لتتحول إلى عقيدة المجتمع والدولة والمواطن. وبذلك تحول الشعار الأساس الذي قام عليه النظام في سوريا من ” أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” إلى ” الأسد إلى الأبد ” ومن ثم إلى ” الأسد أو نحرق البلد”. فحرق البلد يمكن قبوله كخسائر جانبية في إطار معركة حماية ” الزعيم الخالد” المحتكر للتفكير والتقرير نيابة عن الشعب، فهو الذي يحلل ويحرم ما يشاء والعارف بما زرع.
هذا الواقع لم يكن حكرا على مصر وسوريا، بل طال معظم الدول العربية وإن أخذ اشكالا وأساليب مختلفة. لكن العامل الجامع الذي أبدع القادة وحاشيتهم في استغلاله لتسهيل العبور والتغلغل في العقل الفردي الذي يشكل بمجموعه الوعي المجتمعي، هو ركوبهم موجة الدفاع عن قضية فلسطين وشعبها واعتبارها قضيتهم المركزية التي تمثل شرف الأمة وكرامتها. لكن الحقيقة أن قضية فلسطين كانت تشكل لهم المرفأ الآمن الضامن لبقائهم في الحكم ومن ثم توريث ابناءهم، لأن الجماهير بنظرهم، لن تجرؤ حتى على انتقاد حاكم أقنعهم بتبنيه الدفاع عن كرامة وشرف العرب التي تمثلها فلسطين مهما بلغت موبقاته ودكتاتورية.
أما شعوبنا التي مورست بحقها كل أشكال الاخضاع الفكري والعقائدي وبحكم طبيعتها العاطفية، تحولت إلى جماعات تعشق سماع الوهم أكثر من الحقيقة وترضى به وتصفق للرواية مهما كانت كاذبة، وتنتشي ببطولات من ورق فوق الخراب يغديها إعلام ممول ومزود بأحدث تقنيات العصر، يزيف الوعي لضمان بقاء الجماعات في دائرة الاخضاع والارتهان.
هذا النهج الذي اعتقد اصحاب السلطة انه ضمانة بقائهم شكل في الوقت ذاته الأرضية الجاهزة والنافذة الواسعة للجماعات الدينية المذهبية والطائفية الممولة والمدعومة من قوى الخارج، مكنها من التسلل إلى الوعي الفردي والجمعي، مستغلة الواقع الاجتماعي والسياسي الهش الذي تعيشه تلك الشعوب. ومع محدودية قدرة القوى الطليعية على نشر مفاهيم الحرية والديمقراطية والمواطنة الحقيقية، عمل الخارج الدولي والاقليمي على دعم وتشكيل جماعات طائفية ومذهبية غلفت قضية فلسطين بإطار ديني، ما مكنها من استخدامها رافعة لتأمين الانتشار السريع والنفوذ الواسع. والخطر هنا لا يكمن فقط بتغلغل قوى الخارج التي لها مصالحها واهدافها داخل هذه المجتمعات من خلال جماعاتها التابعة، لكن الخطر الأكبر يتمثل في تشعب رقعة الصراع الذي كان محصورا بين الشعب والسلطة الحاكمة، ليضاف إليه صراع بين الفئات المجتمعية ذاتها، بين فئة هدفها دولة واحدة سيدة على أرضها وقرارها وضامنة لحقوق شعبها، وفئة تمثل جزءًا من مشروع خارجي دولي في بعض الدول، واقليمي في دول أخرى. كل ذلك يهدد الأمن المجتمعي، يحرف البوصلة ويرفع من منسوب الهشاشة في مجتمعات ترصد التحولات العالمية وتخشى من ارتداداتها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التدخلات الخارجية من خلال جماعات دينية ليست وليدة اليوم، بل أنها عبر عشرات العقود تتزايد أو تنخفض وتيرتها تبعا لظروف وتحولات دولية أو اقليمية. فقد وفرت بريطانيا البيئة المناسبة لنمو جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام ١٩٢٨. وقد أكد بعض الباحثين والمنشقين عن الجماعة أن المخابرات البريطانية ساعدت في تأسيسهم بهدف استخدام الدين كأداة سياسية لإضعاف الحركات الوطنية والقومية التي كانت تطالب بالتحرر من الاستعمار. ومنذ الستينيات تحولت بريطانيا إلى ملاذ آمن للجماعة حيث وفرت لهم بيئة قانونية واعلامية للعمل، وأصبحت لندن مركزا للتنظيم الدولي بعد التضييق عليهم في مصر ودول أخرى. كذلك فإن حركة حماس كانت قد أعلنت في ميثاقها الأول عام ١٩٨٨ أنها ” جناح من أجنحة الإخوان المسلمين في فلسطين ” ما يوضح الانتماء الفكري والتنظيمي للحركة، والذي يتناقض وبشكل كلي مع المشروع الوطني الفلسطيني القائم على التحرر وحق العودة وإقامة الدولة الوطنية المستقلة. هذا الانتماء الفكري مضافا إليه تحالفات الحركة الاقليمية أدى إلى الدفع بفلسطين إلى ساحة صراع اقليمي بعيد في جوهره عن قضيتنا المركزية التي تم استخدامها كحامل اساسي لذلك الصراع. والنتيجة، إبادة وتطهير عرقي ودمار شامل يعتبره قادتهم ” خسائر جانبية ” طالما ان مشروع ولاة أمرهم الكبير لا زال على الطاولة. كذلك في لبنان، فقد تمكن الخارج الايراني من تربية أجيال عبر عقود أربع تؤمن بأن كل الخراب والدمار الشامل الذي يلحق بلبنان اليوم ووصول جيش الاحتلال الى تخوم مدن رئيسية كالنبطية وصور، لا يعدو كونه مجددا ” خسائر جانبية ” فداء وكرمى لـ”حذاء” القائد. انه النصر الإلهي المماثل لنصر حماس في غزة.
في الواقع فإن كل ذلك يمثل حصادا لبذور زرعت عبر عقود، عشق للوهم وانكار للواقع. فهل تدفع التحولات الجذرية في المنطقة هذه الشرائح إلى إدراك الحقيقة ورؤية الواقع كما هو دون تضليل أو تزييف للوعي، والبدء ببناء مستقبل بواقعية كي لا نبقى نصطدم بحائط اسمنتي من الخيبات.