الانتخابات أولاً


بقلم: محمد علوش
في ظل التحولات العميقة التي تعصف بالقضية الفلسطينية، والتحديات غير المسبوقة التي يواجهها الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتمثيلية حديثة، بما يضمن استعادة الوحدة الوطنية، وتجديد الشرعيات، وتعزيز القدرة على مواجهة الاستحقاقات المقبلة، وفي هذا السياق، تكتسب التحضيرات الجارية لإجراء انتخابات المجلس وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل أهمية استثنائية، باعتبارها المدخل الأكثر واقعية وشرعية لإعادة بناء المؤسسات الوطنية واستنهاض المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية خلال العقود الماضية أن معالجة نتائج الانقسام دون معالجة جذوره البنيوية والسياسية لا يمكن أن تؤدي إلى حلول مستدامة، كما أن استمرار الرهان على حوارات مفتوحة بلا أفق سياسي أو زمني واضح قد أدى، في كثير من الأحيان، إلى إعادة إنتاج الخلافات ذاتها، واستنزاف الجهد الوطني في سجالات لم تنجح في بناء شراكة حقيقية أو إنهاء حالة الاستقطاب القائمة.
من هنا، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة الانقسام إلى بناء البديل الديمقراطي القادر على إنهائه عملياً، فالانتخابات ليست نتيجة للمصالحة، بل هي الطريق إليها، وليست مكافأة للوحدة الوطنية، بل الأداة الديمقراطية لتحقيقها، ولذلك، فإن أي حوار وطني جاد يجب أن يضع في صدارة أولوياته إعادة بناء وتجديد النظام السياسي الفلسطيني، باعتبار ذلك استحقاقاً وطنياً بالدرجة الأولى، قبل أن يكون مطلباً إقليمياً أو دولياً.
وتنبع أهمية انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني من كونها تتعلق بالمؤسسة الجامعة للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، فالمجلس الوطني ليس مجرد هيئة تمثيلية، بل هو برلمان الشعب الفلسطيني والإطار الوطني الأعلى الذي يضطلع بدور محوري في رسم السياسات الوطنية وصياغة التوجهات الاستراتيجية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن هنا، فإن تجديد هذه المؤسسة عبر انتخابات ديمقراطية شاملة يشكل خطوة مفصلية نحو تعزيز شرعيتها واستعادة حيويتها.
ويكتسب اعتماد مبدأ التمثيل النسبي الكامل أهمية خاصة في هذه المرحلة، لأنه يوفر إطاراً أكثر عدالة لتمثيل مختلف القوى السياسية والاجتماعية والفكرية، ويحدّ من النزعات الإقصائية والاحتكارية، كما يتيح مشاركة أوسع لمختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، ويمنح القوى السياسية فرصة التمثيل وفق أحجامها الحقيقية، بما يعزز ثقافة الشراكة الوطنية ويكرّس التعددية السياسية.
ولكيلا يتحول الحوار الوطني مجدداً إلى حلقة مفرغة من النقاشات غير المنتجة، فإن المطلوب هو تركيزه على القضايا الجوهرية المرتبطة بالعملية الديمقراطية وإعادة بناء النظام السياسي.
وفي هذا الإطار، تبرز ثلاثة محاور رئيسية ينبغي أن تشكل جوهر أي حوار وطني مقبل. أولها نظام الانتخابات، باعتباره المدخل الإجرائي والسياسي لبناء الشراكة الوطنية، حيث ينبغي التركيز على آليات تطبيق نظام التمثيل النسبي الكامل، وضمان نزاهة العملية الانتخابية وشموليتها، وتوفير البيئة القانونية والتنظيمية التي تكفل مشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات وفق صيغ عملية ومتوافق عليها، فنجاح الانتخابات لا يقاس بمجرد إجرائها، بل بقدرتها على إنتاج مؤسسات تمثيلية تعكس الإرادة الشعبية الحقيقية.
أما المحور الثاني فيتمثل في الأحزاب والقوى السياسية، فإعادة بناء النظام السياسي لا يمكن أن تتم دون مراجعة جدية لدور الأحزاب ووظائفها وبرامجها وعلاقتها بالمجتمع، والمطلوب هو الانتقال من منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ إلى منطق التنافس الديمقراطي القائم على البرامج والرؤى السياسية والاجتماعية، إلى جانب تعزيز الديمقراطية الداخلية، وتمكين الشباب والمرأة من المشاركة الفاعلة في مواقع القرار والقيادة.
أما الثالث فيتعلق بالنظام السياسي وتداول السلطة، وهو الأكثر أهمية على المستوى الاستراتيجي، فالأزمة الفلسطينية ليست أزمة مؤسسات فحسب، بل هي أيضاً أزمة في آليات إنتاج الشرعية وتجديدها، ومن هنا، فإن أي عملية إصلاح حقيقية يجب أن تكرّس مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة، والفصل بين السلطات، وتعزيز الرقابة والمساءلة، واحترام نتائج الانتخابات باعتبارها التعبير الأسمى عن الإرادة الشعبية، فالديمقراطية لا تكتمل بإجراء الانتخابات فقط، وإنما باستمرارها منهجاً للحكم والإدارة السياسية.
إن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لم تعد خياراً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وطنية تفرضها التحديات الراهنة والاستحقاقات المستقبلية، فالشعب الفلسطيني، الذي يخوض معركة الحرية والاستقلال، بحاجة إلى مؤسسات قوية وموحدة وذات شرعية ديمقراطية قادرة على تمثيل مصالحه والدفاع عن حقوقه، وعليه، فإن الانتخابات الشاملة للمجلس الوطني وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل يجب أن تُنظر إليها باعتبارها نقطة الانطلاق نحو مرحلة جديدة من الشراكة الوطنية والتجديد المؤسسي، فالوحدة الوطنية لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالمشاركة السياسية المنظمة، والشرعية لا تُستعاد بالتوافقات المؤقتة، بل عبر صناديق الاقتراع، والطريق الأقصر نحو إنهاء الانقسام وإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني يبدأ من الانتخابات، لأنها الوسيلة الديمقراطية الأنجع لتحويل التعددية السياسية من مصدر للخلاف إلى مصدر للقوة الوطنية.