نكبة فلسطين معركة مفتوحة على المصير والهوية والانتماء


بقلم: عائدة عم علي
بين ذكرى النكبة وواقع التشرذم والضعف العربي، لم تعد نكبة فلسطين مجرد حدث تاريخي، بل أضافت إليها ظروف التمزق إرثاً جديداً، ما أدى إلى تضييع البوصلة الذي تجاوز النكبة التي رسمت تجاعيدها في الذاكرة الجمعية، وباتت في الوجدان العربي على امتداد العقود الماضية محطة موازية لهموم لم تغادر أماكنها، وحدود حضورها.
فصول النكبة التي بدأت عام 1948 لاتزال تتكرر بأشكال مختلفة، الفلسطينيون يعيشون حربا مدمرة في قطاع غزة، وتصاعدا غير مسبوق في الاستيطان والتهجير بالضفة الغربية ولكن في آخر النفق يستحضر الفلسطيني بذاكرته ووجدانه ذكرى النكبة على طريقته، وفي حدود طاقته التي تخوض مخاض الانبلاج لفجر لا يعترف ولا يقرّ إلا بما تصنعه الإرادة ولو بعد حين.
بعد 78 عاما من نكبة الشعب الفلسطيني تستمر حرب الإبادة والعقلية المجرمة للكيان الصهيوني ومخططه الشيطاني بقتل كل ما على الأرض، بدعم الولايات المتحدة ومن ورائها الدول الغربية في العدوان العسكري والسياسي والإعلامي وتعطيل المؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن ومنعه من اتخاذ قرار لإيقاف حرب الإبادة ولنصرة الشعب المقاوم ضد احتلال صهيوني شرس وبغيض.
ومع ولادة الكيان المصطنع وشرعتنه بقرار أممي في الشكل وأميركي بريطاني فرنسي في المضمون صدر عام 1947 مخالف لكل الشرائع الدولية وفيه انتهاك لميثاق الأمم المتحدة وعصبتها التي سبقتها , فقد انطلق ذلك الكيان الاستعماري الاحتلالي منتشياً بالتوسع والسيطرة والقتل والإرهاب في عناصر قوة القوى الكبرى احتضنته ومستثمراً في الوضعية الصعبة والقاسية للشعب الفلسطيني والعرب على وجه العموم لجهة أن غالبية الدول العربية كانت تحت الاحتلال أو خرجت لتوها منها، وهي تتلمس طريق الاستقلال والتحرر من أشكال التبعية والتخلف بعد قرون من الاستعمار والسيطرة.
فقد استطاعت عبر عقود أن تُحيد عدائها، وتحول العديد منهم إلى أصدقاء تربطها بهم علاقات دبلوماسية كاملة وتنسيق في معظم المجالات، وتمكنت من بناء دولة صناعية متقدمة لليهود فقط، وتمتلك ترسانة عسكرية تتفوق على سائر دول الإقليم؛ ووسط دعم سخي من حليفتها المركزية الداعمة لوضع نتنياهو الدموي المجرم.
وهذا توصيف حقيقي لحالة كيان المحتل اليوم ، ولكن كل ما سبق يغطي حقيقة أخرى تحاول “إسرائيل” طيلة العقود الماضية أن تطمسها، هي أن ما عليه إسرائيل اليوم كان على حساب شعب آخر؛ محاولة على مدار العقود الماضية صبغ الأرض والتاريخ بهويتها المصطنعة لإخفاء حقيقة الأشياء وسرقت كل ما هو فلسطيني ونسبته لها , ابتداء من الثوب الفلسطيني الذي تدعي إسرائيل أنه من ضمن التراث الاسرائيلي، ومرورا بعملتها الشيكل التي هي عملة الكنعانيين ولا صلة لها باليهود، وصولا لتحريف أسماء المدن الفلسطينية إلى عبرية، فكل شيء في فلسطين يشي بأصله ويرفض تلك الصبغة الصهيونية التي لم ولن تستطيع تغيير التاريخ، ونسج علاقة بينها وبين ما سرقته.
وفيما تحتفي دولة الكيان الفاشي بذكرى قيامها، يحيي الفلسطينيون ذكرى نكبتهم؛ ولم يسجل التاريخ الانساني الحديث حالة من هذا النوع، بأن يكون اليوم الوطني لشعب هو يوم النكبة لشعب آخر؛ ليذكرهم بالحقيقة المؤلمة التي يسعون دوما لطمسها.
ورغم أن هذه الحقيقة ليست طارئة على المشهد الفلسطيني، بل هي تتزامن ونشأة وإقامة هذا الكيان الغاصب على تراب فلسطين، لكنها تفرض نفسها على المشهد الفلسطيني الدامي حيث العدو يمارس إرهاب الدولة بأبشع صفاته بلا عقاب في مرحلة خطيرة اصبحت أكثر وضوحاً وصلفاً ووقاحة على استباحة الدم الفلسطيني وتدنيس المقدسات وانتهاك القوانين والشرائع والمواثيق الدولية.
لكن ما يدعوا للألم ايضاً أنه على الرغم من الرمزية التي حملتها احياء الفلسطينيين ذكرى النكبة لتذكير العالم الذي يدَّعي الحرية بمظلومية الشعب الفلسطيني التاريخية، المؤسف أن نرى تقاعساً فاضحاً حيال الفلسطينيين وما يتوجب عليهم القيام به لنصرة القدس وهذا يؤكد حقيقة نجاح مشاريع الهيمنة والتفتيت والتقسيم والتدمير والتخريب التي استهدفت البناء الإنساني والبناء القيمي والأخلاقي للمجتمعات.
الفلسطينيون مستمرين في ايصال هذه الحقيقة بصوت عال في جميع المناحي لتذكير العالم بأن كل بيت يسكنه مستوطن إسرائيلي هو في الأساس بيت لفلسطيني، وكل قطعة أرض يقيمون عليها هي أرض لفلسطيني سُرقت بالقوة؛ وأصحابها الحقيقيون على قيد الحياة ولن يتنازلوا عن أملاكهم.
ذكرى اغتصاب فلسطين لا يزال التراب يئن من تدنيس شذّاذ الآفاق وانقلاب العالم على المفاهيم وتدجين الموقف العربي بذريعة السلام المزعوم الأمر الذي تلاقى مع فتاوى الكثيرين، إلا أن طريق المقاومة هي الخلاص لأننا أمة تحب الحياة وتحب الموت متى كان الموت طريقاً إلى الحياة.
ما حدث لأرض فلسطين الثكلى هو سيادة طغيان الدول المتآمرة على لغة العدالة وحق الشعوب. أما قرارات وصكوك الانتداب ليست أكثر من تآمر طواغيت العصر إلى اندثار شعب متجذّر مقابل اختلاق قومية وهمية مشحونة بخرافات دينية وبغايات استعمارية جسدها بني صهيون على أرض فلسطين.
أمام صمت العالم تتوالد مفاعيل النكبة الفلسطينية بأشكال ليست مختلفة عن مضامين الماضي. فالجرائم الممنهجة في تدمير المجتمع الفلسطيني ومحاصرته والقوانين العنصرية في أوجها، وقرارات مجلس الأمن تجد طريق إلى المتاهة في أدراج النسيان مادام كيان المحتل يضرب عرض الحائط دون مساءلة أمام الانحياز الأمريكي وضعف التأثير الدولي.
لكن صناع النكبة لم يتمكنوا من كسر إرادة الشعب الفلسطيني وطمس هويته الوطنية واخماد جذوة مقاومته ولا بتحويل الوهم إلى واقع ولا بتزوير التاريخ، مهما أشهروا سكاكين استعمارهم لقطع فلسطين من جسد العالم العربي بخطط معدة مسبقاً , والتقسيم السياسي الذي وضعه سياسيّو أوروبا وفقاً لأغراض ومقاصد دولهم التي ألفوها تحت أسماء الوصاية والانتداب تسهيلاً لتنفيذها.
تلك رسالة يحملها كل فلسطيني؛ تضرب في عمق كيانية وكينونة الاحتلال وتذكيره أن كل ما بناه بُني على رمال متحركة من الباطل، فلا شرعية له الا القوة وأنواع القمع والتنكيل والحصار على الفلسطينيين، لكي يسلموا لها ويمنحوها صك الشرعية والاستسلام لكن الفلسطيني قرر التحدي
النكبة تصبح هَمّاً يومياً وحالة قائمة ومستمرة، ووحده خط المواجهة في معركة مفتوحة على المصير، فهو الذي يضع حدوداً فاصلة ونهايات لا بد أن نصل إليها يوماً، وقد اقتربت لتكون النكبة مجرّد دروس مرت، تحلَّ مكانها يوميات العمل في الميدان والسياسة والوجود والمصير، والأهم في الهوية والانتماء.