أقلام وآراء

نتنياهو الحرب كأداة للبقاء

بقلم: د. أحمد مجدلاني

تدخل “إسرائيل” واحدة من أكثر مراحلها السياسية والأمنية اضطراباً منذ تأسيسها، في ظل تصاعد الحديث عن حلّ الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة، وسط أزمة داخلية تكشف حجم التصدعات التي تضرب بنية النظام السياسي والاجتماعي لدولة إسرائيل ، غير أن ما يجري لا يمكن اختزاله في أزمة حكومية عابرة أو صراع حزبي تقليدي، بل يعكس مأزقاً بنيوياً يطال طبيعة المشروع الصهيوني نفسه، الذي دخل مرحلة أكثر تطرفاً وعنصرية وتحول نحو الفاشية الجديدة ، تقوم على إعادة إنتاج السلطة عبر الحرب، وتحويل العدوان الخارجي إلى أداة لإدارة الانهيار الداخلي وتأجيل لحظة المحاسبة.
في هذا السياق، تبدو معركة بنيامين نتنياهو اليوم أبعد من مجرد الدفاع عن ائتلافه اليميني الحاكم، فهو لا يقاتل فقط من أجل البقاء السياسي، بل من أجل إعادة تشكيل المشهد الإسرائيلي بما يضمن استمرار هيمنة اليمين الشعبوي والفاشي على مؤسسات الدولة، ولذلك، فإن الحديث عن انتخابات مبكرة لا يعكس بالضرورة مساراً ديمقراطياً طبيعياً، بقدر ما يكشف صراعاً حاداً داخل مراكز القوة الإسرائيلية حول كيفية إدارة الأزمة العميقة التي انفجرت بعد الحرب العدوانية على قطاع غزة وما تلاها من أحداث وتداعيات إقليمية بما ذلك الحرب على إيران ولبنان ، والتوسع الإحتلالي في جنوب سوريا .
ومن هنا يمكن فهم سلوك نتنياهو القائم على الهروب إلى الأمام عبر توسيع دوائر التوتر والحرب، سواء ضد شعبنا الفلسطيني أو على مستوى الإقليم، بما في ذلك التصعيد المستمر تجاه إيران ولبنان لإعادة صياغة المشهد السياسي الداخلي فيهما، فالحرب بالنسبة لليمين الإسرائيلي لم تعد مجرد خيار أمني، بل تحولت أيضا إلى أداة سياسية لإعادة ترميم صورة الردع المنهارة، واستنهاض العصبية القومية والدينية داخل المجتمع الإسرائيلي، واستمالة قوى اليمين المتطرف التي باتت تمثل العمود الفقري للائتلاف الحاكم.
ولذلك، فإن كل تصعيد عسكري جديد لا يمكن فصله عن الأزمة الداخلية التي يعيشها نتنياهو وحكومته، فالرجل يدرك أن أي انتخابات مبكرة قد تتحول إلى محاكمة سياسية وشعبية لفشل حكومته الأمني والعسكري، وللانهيار الذي أصاب صورة “الجيش الذي لا يهزم”، ولهذا يسعى إلى كسب الوقت وتأجيل لحظة السقوط، عبر إبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة طوارئ دائمة، وتحويل الخوف إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة.
إن أخطر ما تشهده “إسرائيل” اليوم هو تآكل الحدود بين أمن الدولة وأمن السلطة، فكلما تعمقت الأزمة الداخلية، ازداد ميل الحكومة إلى تصدير أزماتها عبر العدوان الخارجي، وإعادة بناء ما يسمى “وحدة المجتمع الإسرائيلي” على قاعدة الحرب والخطر الوجودي، ومن هنا، فإن شراسة العدوان على غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، وتوسيع الاعتداءات ضد الشعب الفلسطيني، ليست مجرد ردود فعل عسكرية، بل جزء من مشروع سياسي واستعماري متكامل يقوم على فرض ما يسمى “حسم الصراع” بالقوة، وإنهاء أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
غير أن الأزمة الإسرائيلية لا ترتبط بشخص نتنياهو وحده، رغم دوره المركزي في دفع الكيان نحو مزيد من التطرف والشعبوية، فالمعارضة الإسرائيلية، على اختلاف تكتلاتها، تبدو موحدة فقط في العداء لنتنياهو وسياساته الداخلية، لكنها لا تقدم أي بديل حقيقي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فلا يوجد على جدول أعمالها استعادة فعلية لمسار سياسي جاد، ولا مراجعة لجوهر المشروع الاستيطاني، ولا اعتراف حقيقي بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بل إن معظم قوى المعارضة تتقاطع مع اليمين الحاكم في الرؤية الأمنية والاستعمارية، وتختلف معه أساساً حول إدارة الأزمة الداخلية وشكل النظام السياسي، لا حول طبيعة الاحتلال نفسه، ولذلك، فإن أي حكومة جديدة قد تنبثق عن تحالفات بين بينيت ولبيد وآيزنكوت وليبرمان لن تكون بالضرورة أقل عدوانية تجاه شعبنا، لأن الإجماع الصهيوني ما زال قائماً حول استمرار الهيمنة الاستعمارية ورفض الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي المقابل، تبرز أهمية الدور الفلسطيني داخل أراضي الـ 48، في ظل الحديث المتجدد عن إمكانية استعادة خيار “القائمة المشتركة” وتوحيد التمثيل السياسي الفلسطيني، فالمكون الفلسطيني، رغم سياسات التهميش والقمع، ما زال قادراً على لعب دور مهم في إعادة خلق توازنات جديدة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، خاصة في ظل الانقسامات الحادة التي يعيشها النظام السياسي الإسرائيلي.
غير أن هذا الدور لا يمكن اختزاله في الحسابات البرلمانية أو عدد المقاعد فقط، بل يرتبط أساساً بقدرة القوى الفلسطينية في الداخل على تحويل قضايا جماهيرنا إلى مركز الاشتباك السياسي، وفي مقدمتها تصاعد الجريمة المنظمة، وسياسات التمييز العنصري، وملف النقب والقرى غير المعترف بها، والتصدي لمشاريع الأسرلة والاقتلاع ، وحق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية تقرير مصيره ، وإنهاء الأحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية .
لقد كشفت الحرب الأخيرة حدود القوة التي حاول المشروع الصهيوني ترسيخها لعقود، فالحرب الطويلة تحولت إلى حرب استنزاف سياسية وعسكرية واقتصادية، وعمّقت الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، وأعادت طرح أسئلة وجودية حول طبيعة الدولة ومستقبلها، كما أن صعود النزعات الدينية والفاشية والشعبوية يعكس انتقال الكيان إلى مرحلة أكثر تطرفاً، يحاول فيها اليمين إعادة هندسة النظام السياسي تحت عنوان الحرب والطوارئ والخطر الوجودي الدائم، ومع ذلك، فإن هذه الأزمة لا تعني انهياراً تلقائياً للمشروع الصهيوني، بقدر ما تعني دخوله مرحلة أكثر عدوانية وخطورة، فالأزمات الداخلية تدفع الاحتلال غالباً نحو المزيد من العنف والتوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الوقائع بالقوة العسكرية.
لكن، في المقابل، أثبت شعبنا الفلسطيني، رغم المجازر والحصار والتدمير، أن القضية الفلسطينية لا يمكن تصفيتها بالحرب أو التهجير أو مشاريع الاستعمار الاستيطاني، كما أعاد صمود شعبنا الفلسطيني إلى مركز الاهتمام العالمي، وأسقط كثيراً من الأوهام التي روّجت لها “إسرائيل” حول قدرتها على فرض الاستقرار بالقوة العسكرية.
إن المعركة اليوم ليست مع حكومة نتنياهو وحدها، بل مع مشروع استعماري كامل يسعى إلى فرض الحسم بالقوة، فيما يعيش في الوقت ذاته أزمة تاريخية عميقة داخل بنيته السياسية والاجتماعية والأخلاقية، ومن هنا، فإن استعادة أي مسار سياسي حقيقي لا يمكن أن تتم عبر إعادة إنتاج أوهام هندسة ” السلام المجزوء” غير القابل للحياة، بل عبر فرض الحقوق الوطنية الفلسطينية باعتبارها جوهر أي استقرار حقيقي في المنطقة، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما استمرار منطق الحرب والاستعمار والفاشية الذي يدفع إليه اليمين الإسرائيلي، وإما فتح أفق جديد قائم على الحرية والعدالة والأمن والأستقرار ، وحق الشعوب في تقرير مصيرها وتحديد خياراتها ، وفي قلب هذه المعادلة تبقى فلسطين، كما كانت دائماً، جوهر الصراع وعنوانه الحقيقي.

“نضال الشعب”

زر الذهاب إلى الأعلى