لبنان.. صراع على القرار وسط هدنة هشة


بقلم: د. فريد اسماعيل
منذ نشأته شهد لبنان تاريخا مثقلا بالأزمات، وتنوعا طائفيا وحضاريا تحول من نعمة إلى نقمة. ومنذ اتفاقية سايكس_بيكو، يبدو وكأن هذه الرقعة من العالم محكومة بدائرة لا تنكسر من الصراعات والحروب. ومع عدم اغفال العوامل والمؤثرات الداخلية، إلا ان الاشكالية أيضا تكمن في الطريقة التي تدار بها الأزمات بشكل عام داخل نظام دولي تم تشكيله بعد الحرب العالمية الثانية لم ينتج توازنا، بل أصبحت معه الدول الاضعف جزءًا من شبكة علاقات غير مكافئة أساسها تبعية مغلفة بثوب الاستقلال ونفوذ مقابل حماية واستقرار.
وفي بلد كلبنان المعروف بانقساماته السياسية وضعف مؤسساته، يبدو من الصعب استغلال تنوعه وتحويله إلى أدوات سيادة حقيقية، خاصة في مرحلة من تاريخه يشهد فيها إلى جانب الحروب المتكررة، صراع على القرار والسيادة وسط هدنة هشة. فلبنان الذي لم يكد يتخلص من هيمنة النظام السوري السابق على مفاصل الحكم فيه العام ٢٠٠٥ بفعل الهبة الشعبية العارمة والضغط العربي والدولي بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، لم يكن قادرا على مواجهة التغلغل الإيراني عبر ذراعه المسلح، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن شعبنا الفلسطيني في لبنان خلال فترة الهيمنة تلك، عانى الأمرين وفقد خيرة شبابه وتعرض للحصار والقتل والتجويع في معركة الدفاع عن القرار الوطني المستقل ومحاولات الإمساك بالورقة الفلسطينية. وقد ساهمت حرب ٢٠٠٦ على لبنان في تعزيز النفوذ الإيراني في الداخل اللبناني، إلا ان تكريس ذلك النفوذ وهيمنته على القرار اللبناني السيادي، تجلى من خلال اتفاق الدوحة الذي تم توقيعه بين مختلف القوى بعد احداث السابع من أيار العام ٢٠٠٨ حين استخدم حزب الله وحلفاؤه القوة لردع الحكومة واجبارها على سحب قرارات سيادية تم استغلالها لوضع لبنان تحت العباءة الإيرانية. وبذلك، فإن لبنان مرة أخرى لم يتمكن من تحقيق سيادته الوطنية على اراضيه، فالسيادة تستوجب فهما حقيقيا لمفهوم المواطنة الطارد للعصبيات المذهبية والطائفية، وهو الغائب الأكبر في عقلية ملوك الطوائف الذين يجدون ألف سبب ومبرر لارتباطهم بالخارج وتعطيل قيام الدولة السيدة.
ومنذ ان وضعت حرب ال ٦٦ يوما اوزارها في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، يقف لبنان أمام مفترق مفصلي في تاريخه الحديث يحاول من خلاله تكريس لبنان الجمهورية صاحبة العلاقات الممتازة مع دول العالم عنوانه الابرز استعادة الدولة اللبنانية قرارها بعد سنوات من ازدواجية السلطة وتداخل الأدوار بين المؤسسات الرسمية وقوى الامر الواقع. تأتي هذه التحولات على وقع حرب جديدة مدمرة مع إسرائيل، وهدنة هشة تحاول تثبيت نفسها وسط خروق ميدانية وضغوط دولية متصاعدة، في وقت اضطرت فيه بيروت إلى خوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية امريكية في سابقة تكشف حجم المخاطر وتعكس طبيعة التحول في مقاربة إدارة الصراع. غير ان المسار يمثل واقعا أكثر تعقيدا مع انخراط حزب الله في المواجهة ثأرا للمرشد الأعلى ودعما لإيران. وهذا ما أكده رئيس البرلمان الإيراني قاليباف حين أعلن وبكلام واضح لا يقبل الشك والتأويل بأن حزب الله بدأ الحرب الاخيرة من أجل إيران. وهو بذلك يعكس اصرار إيران على إبقاء لبنان ورقة إيرانية في قلب معادلة اقليمية تتجاوز الدولة ومصالحها المباشرة، في الوقت الذي يحاول فيه لبنان من خلال الانخراط في المفاوضات إعادة الإمساك بزمام المبادرة ووضع ملف السلم والحرب ضمن صلاحيات الدولة بدل بقاءه رهينة قرارات خارجية. وقد أكد رئيس الجمهورية اللبنانية ان المسار التفاوضي لا يمثل تنازلا او استسلاما، وان المفاوضات المباشرة تستهدف وقف العدوان والدمار وانسحاب إسرائيل وبسط للسيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية.
أما بالنسبة لإيران التي عملت على مدى عقود على نشر “ولاية الفقيه ” في لبنان، ما ساهم في تشكيل المشهد السياسي والثقافي ضمن بيئة معينة وفقا للتوجهات الإيرانية، فإنها وبعد فقدانها لخط طهران بيروت الاستراتيجي بفعل انهيار نظام الأسد وخسارتها للمقر والممر السوري الى لبنان والمتوسط، وكذلك فشل اذرعها في فرض ما كان يسمى “وحدة الساحات “، لم تعد تخفي تدخلها في الشأن اللبناني بل وتحاول فرض ارادتها، وهو ما أدى إلى تصعيد غير مسبوق في العلاقات بين البلدين بدءا من مطالبة الحكومة اللبنانية الحرس الثوري بمغادرة الأراضي اللبنانية ، وفرض تاشيرة دخول الايرانيين إلى لبنان، مرورا باستدعاء وزارة الخارجية اللبنانية القائم بالأعمال الايراني في الثالث عشر من آذار وابلاغه حينها جملة من المخالفات الصريحة لاتفاقية فيينا، وطلبت منه الاجابة خطيا على تساؤلاتها خلال ٢٤ ساعة وهذا ما لم يحصل. وبالنتيجة تم سحب الاعتماد الدبلوماسي للسفير المعين محمد رضا شيباني واعلانه شخصا غير مرغوب فيه، إلا أنه قرر التمرد على قرار الدولة والبقاء داخل السفارة في لبنان، كذلك لم تمتثل السفارة الإيرانية لطلب وزارة الخارجية اللبنانية تحديث لائحة الدبلوماسيين المسجلين في البعثة الدبلوماسية الإيرانية. إلا أنه وبعد اصرار الجانب اللبناني الرسمي على ان لبنان يفاوض عن نفسه بنفسه ولن يسمح بأن يفاوض أحد نيابة عنه، بلغ التوتر مداه حين نشرت وكالة تسنيم الإيرانية التابعة للحرس الثوري الايراني رسما كاريكاتوريا اثار ردود فعل واسعة في لبنان، تضمن إساءة سياسية واخلاقية للرئيس جوزيف عون، في خطوة عكست مدى التوتر القائم حيال المواقف اللبنانية الرسمية، وأظهر الرسم كرة بين أقدام العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية بشكل رأس الرئيس اللبناني، فيما بدا عنصر ملثم يرتدي اللون الأصفر وهو يحمي علم لبنان الذي يشكل الهدف، في إشارة إلى حزب الله بوصفه الجهة التي تدافع عن البلاد. وارفقت الوكالة الكاريكاتير الذي نشرته عبر حسابها على منصة “اكس” بعبارة مفادها ان حزب الله الحليف للنظام في إيران سيتصدى للرئيس عون، ما يمكن فهمه على أنه تهديد مباشر للرئيس اللبناني الذي يعمل على تثبيت القرار السيادي للدولة وإعادة الاعتبار لمؤسساتها الدستورية، كما يعكس القلق الإيراني من فقدان هذه الورقة التي يبدو أنها تمثل هرمز رقم ٢ بالنسبة لإيران.
لبنان اليوم يعيش واحدة من أدق مراحله. فمن جهة، احتلال إسرائيلي لأكثر من ٥٥ بلدة، وخط أصفر على غرار خط غزة افرزته حرب إسناد إيران، ومن جهة اخرى، صراع على القرار لانتزاعه من أي يد خارجية في ظل احتقان داخلي وتجييش طائفي لا ينذر إلا بالأسوأ.
اشكاليات أكبر من حجم لبنان وقدراته. لذلك فإن ما يحصل في لبنان وفي مناطق مختلفة من العالم يستوجب إعادة التفكير بشكل وآليات المنظومات التي تحكم العلاقات بين الدول والمنوط بها حسم أو على الأقل إدارة الأزمات والصراعات. فهيئة الأمم المتحدة وبالتحديد مجلس الأمن كان قد صمم ليعكس واقع عصره. إلا أن عالم ٢٠٢٦ لم يعد كعالم ١٩٤٥. ازداد عدد الدول اضعافا منذ إنشاء الأمم المتحدة، وتزايد عدد السكان من ٢،٥ مليار الى أكثر من ٨ مليار اليوم، وكذلك تغيرت طبيعة النظم والعلاقات والمصالح مع ثورة التكنولوجيا والمعرفة والذكاء الاصطناعي. ولذلك ستبقى هذه المؤسسة الدولية بلا جدوى طالما لا يتم تحديثها لتواكب تغييرات عصرها. وهذا يسري على جامعة الدول العربية التي من شأنها في حال حصول اصلاحات جذرية ، أن تحول العالم العربي من ساحة تنافس إلى مشروع مستقل عصي على كل تدخل خارجي.