أقلام وآراء

فلسطين أولاً

 

بقلم: محمد علوش

ليست فلسطين خبراً عابراً في نشرات العالم، ولا بنداً مؤجلاً على موائد السياسة، ولا رقماً قابلاً للحذف في دفاتر القوى الكبرى.. إنها الحاضر الذي يفضح زيف الادعاءات، والمرآة التي تنكشف أمامها حقيقة النظام الدولي كلما تحدّث عن العدالة وحقوق الإنسان، فمن القدس إلى غزة، ومن المخيم إلى المنفى، تظل فلسطين الاسم الأكثر قدرة على إرباك الحسابات، لأن شعباً عظيماً كالشعب الفلسطيني قرر التمسك بحقه، فكان أقوى من كل مشاريع التصفية والنسيان.

وفيما تنشغل العواصم الكبرى بملفات التهدئة واتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان، وتتابع باهتمام مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية وما يمكن أن تنتجه من تفاهمات جديدة، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تدفع عمداً إلى الهامش، في محاولة لإعادة ترتيب أولويات المنطقة بعيداً عن جوهر الصراع الحقيقي، غير أن كل هذه المسارات، مهما بدت ملحّة أو طارئة، لن تستطيع إلغاء الحقيقة الأساسية، أن فلسطين ستبقى العقدة المركزية في الشرق الأوسط، وأن أي تسويات تتجاوزها لن تنتج إلا هدوءً مؤقتاً وأزمات مؤجلة.

لقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية، بالشراكة الكاملة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلى فرض مسارات سياسية تقوم على إدارة الصراع بدلاً من إنهائه، وعلى الالتفاف على الحقوق الوطنية الفلسطينية بدلاً من الاعتراف بها؛ مرة عبر مشاريع تسوية منقوصة، ومرة عبر موجات تطبيع مجانية، ومرة عبر فرض وقائع استيطانية بالقوة والنار والحصار، اعتقاداً منها أن الزمن كفيل بإضعاف الوعي الوطني الفلسطيني، أو أن الإنهاك العربي والانقسام الداخلي سيجعلان من فلسطين قضية قابلة للتجاوز.

لكن الوقائع جاءت نقيضاً لكل تلك الحسابات، فقد أثبتت القضية الفلسطينية، مرة بعد أخرى، أنها عصية على الشطب، لأن جذورها ضاربة في عمق التاريخ والهوية والحق، ولأن شعبها لم يتخلّ يوماً عن روايته الوطنية، ولم يسمح للمحتل بأن يحتكر الحقيقة أو يطمس الذاكرة، فمن بين الركام يولد الإصرار، ومن تحت الحصار تتجدد الإرادة، ومن قلب المعاناة ينهض شعب يرفض الانكسار.

إن المشاريع الأمريكية الإسرائيلية التي حاولت القفز عن جوهر القضية، عبر تجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، لم تنتج سوى مزيدٍ من الانفجار وعدم الاستقرار، فالسلام لا يصنع بإنكار الحقوق، والأمن لا يفرض بالدبابات، والاستقرار لا يبنى فوق أنقاض العدالة.

وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، حيث يتراجع منطق الهيمنة الأحادية، وتتقدم قوى دولية جديدة، وتتسع الدعوات إلى نظام عالمي أكثر توازناً وعدالة، تبرز فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني، لا مجرد ملف إنساني أو أزمة إغاثية، فالعالم بات يدرك، أكثر من أي وقت مضى، أن استمرار الاحتلال وصمة أخلاقية وسياسية في جبين المنظومة الدولية، وأن ازدواجية المعايير لم تعد قابلة للاستمرار أمام اتساع الوعي الشعبي العالمي.

أما عربياً وإقليمياً، فقد أثبتت التجارب أن تجاوز فلسطين وهم سياسي قصير العمر، فلا استقرار حقيقي في الشرق الأوسط دون حل عادل للقضية الفلسطينية، ولا تنمية راسخة في ظل استمرار الاحتلال، ولا شرعية لأي ترتيبات إقليمية تتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، ففلسطين ليست عبئاً على أحد، بل هي بوصلة الكرامة العربية، وعنوان الوحدة الممكنة، ومفتاح الأمن المستقبلي للمنطقة بأسرها.

إن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع، دولاً وقوى وأحزاباً ونخباً، إعادة وضع القضية الفلسطينية في المقام الأول، باعتبارها المدخل الحقيقي لأي استقرار إقليمي، وأساس أي مشروع نهضوي عربي، فالتحديات الأخرى، مهما بلغت أهميتها، تبقى نتائج لأصل الأزمة لا بدائل عنها، ومن دون إنصاف الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال، ستظل المنطقة تدور في حلقة مفتوحة من التوتر والانفجار.

إن المطلوب اليوم لا يقتصر على رفض مشاريع التصفية، بل يتطلب الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي المنظم، عبر إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتوحيد الصف الوطني، وتعزيز المقاومة الشعبية والدبلوماسية، وتوسيع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه، والاستفادة من التحولات العالمية لبناء جبهة دولية أوسع إسنادًا للحق الفلسطيني.

ستبقى فلسطين حاضرة في الوجدان العربي والإنساني، فالقضايا العادلة لا تموت، والشعوب التي تناضل من أجل الحرية لا تهزم مهما اشتد الظلم، وكل من يظن أن بإمكانه القفز عن فلسطين، إنما يقفز فوق حقائق التاريخ، ولن يحصد في النهاية سوى الخيبة والسقوط.

زر الذهاب إلى الأعلى