حين تصبح إدارة الأزمة هي السياسة

![]()
بقلم: د. ديمة فايق أبو لطيفة
في فلسطين، لم تعد السياسة تقاس بقدرتها على فتح باب جديد، بل بقدرتها على إبقاء الأبواب القديمة مفتوحة بالكاد. لم نعد ننتظر منها أن تغيّر الواقع، بل أن تمنع انهياره الكامل. كأن المطلوب اليوم ليس أن نصل، بل فقط ألا نسقط.
شيئا فشيئا، تحولت السياسة من مشروع إلى عمل يومي يشبه “ترتيب الخسائر”. بالمحصلة إدارة الأزمة، لا حلّها وتأجيل الانفجار، لا منعه.
وهذا التحول ليس تفصيلا صغيرا، بل تغيير عميق في معنى السياسة نفسها. المشكلة أن أزمتنا لم تعد واحدة. هي أزمات متراكمة فوق بعضها: احتلال يفرض وقائعه كل يوم، وانقسام أضعف الناس قبل المؤسسات، واقتصاد متعب، وثقة مهزوزة، وقلق يسكن تفاصيل الحياة اليومية.
ومع هذا كله، تغير السؤال. لم نعد نسأل: كيف نخرج من هذه الحالة؟ بل: كيف نتحمّلها أكثر؟
هنا تحديدا يبدأ الخطر. حين تتحول السياسة إلى وسيلة للتكيف مع الواقع بدل تغييره، فإنها تفقد روحها. تصبح مهمتها “تمرير الأيام” بدل “صناعة الغد”. ويصبح السياسي أقرب إلى مدير أزمة، لا صاحب رؤية.
إدارة الأزمة تعني أن تبقى الأمور كما هي “ماشية” لا انهيار كبير، ولا انفجار واسع. لكن في المقابل، لا حلّ حقيقي. نعيش في منطقة رمادية: لا نحن نتقدم، ولا نحن نتوقف. فقط نبقى في مكاننا، مع بعض التراجع أحيانا.
يمكن أن نرى ذلك في تفاصيل صغيرة لكنها كاشفة: حين يعلّق أمل موظف على راتب يتأخر كل شهر، لا يسأل لماذا تأخر أصلا، بل كيف يدبر أسبوعه القادم. وحين يؤجل شاب سفره مرة بعد مرة بسبب قيود لا تنتهي، لا يعود يفكر في حقه بالحركة، بل في كيفية التكيّف مع البقاء. وعلى مستوى أوسع، يتجلى ذلك اقتصاديا في نموذج الرواتب والتمويل الخارجي. فالتأخير المتكرر في صرف الرواتب، أو دفعها منقوصة، لم يعد حدثا استثنائيا، بل أصبح جزءا من الروتين الشهري لكثير من الموظفين. وفي المقابل، يعتمد استمرار هذا الوضع على تدفقات مالية خارجية تهدف غالبا إلى منع الانهيار، لا إلى بناء اقتصاد مستقر. بهذا المعنى، لا تدار الأزمة فقط داخليا، بل يعاد إنتاجها ضمن معادلة أوسع توازن بين الاستقرار المؤقت وغياب الحلول الجذرية.
هذا هو شعور كثير من الناس اليوم، لا تسوية تنهي الاحتلال، ولا مصالحة تنهي الانقسام، ولا اقتصاد يريح الناس، فقط استمرار… يشبه الانتظار الطويل، المشكلة ليست فقط في أن الأزمة مستمرة، بل في أنها أصبحت الإطار الذي نعيد تعريف الطبيعي من خلاله.
حتى الكلمات نفسها فقدت معناها. “مرحلة حساسة” أصبحت وصفا دائما، و“ظروف استثنائية” صارت هي القاعدة، و“الأولوية الوطنية” عبارة جاهزة تستخدم كثيرا، لكنها نادرا ما تجيب عن السؤال البسيط: إلى أين نحن ذاهبون؟
لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن الناس بدأت تعتاد. حين يعتاد الإنسان على الأزمة، تتغير توقعاته دون أن يشعر. يصبح الراتب الناقص مقبولا، وتأخير السفر أمرا عاديا، والكهرباء المنتظمة خبرا جيدا، والهدوء المؤقت كأنه إنجاز. شيئا فشيئا، لا تتقلص الحياة فقط… بل يتقلص الحلم أيضا.
ولأن الواقع ليس معزولا، فإن إدارة الأزمة لم تعد شأنا داخليا فقط. هناك من يستفيد من استمرارها: الاحتلال يوسع حضوره على الأرض، والعالم غالبا يفضل الهدوء على العدالة، والتمويل الخارجي يحافظ على الحد الأدنى من الاستمرار، لا على التغيير الحقيقي.
وبين كل هذا، يبقى الإنسان الفلسطيني عالقا بين يومه الصعب ومستقبله الغامض.
حتى في السياسة الداخلية، الصورة واضحة. يمكن إدارة التفاصيل اليومية: رواتب، خدمات، اجتماعات، بيانات. لكن اللحظة الوطنية الجامعة غائبة، ولا يوجد ما يعيد جمع الناس حول فكرة واحدة أو أفق مشترك. وهذا الغياب لا يظهر فقط على مستوى الشعور العام، بل في بنية النظام السياسي نفسه؛ فمنذ سنوات طويلة، يعيش النظام السياسي حالة انقسام مستمر، دون أفق حقيقي لإنهائه، ودون تجديد ديمقراطي عبر انتخابات شاملة تعيد تشكيل التمثيل السياسي. هذا الواقع لا يخلق فقط فراغا مؤسسيا، بل يعمق شعور الناس بأن السياسة لم تعد أداة للتغيير، بل إطارا جامدا لإدارة الواقع القائم. وهكذا، تتحول الأولويات من إعادة بناء النظام السياسي إلى مجرد الحفاظ على استمراره بالحد الأدنى.
وهنا يظهر الجيل الجديد، الأكثر حساسية لهذه الحالة. هذا الجيل لا يرى السياسة كشعارات، بل كحياة يومية: عمل غير مستقر، حركة مقيدة، خوف من الغد، ورغبة متزايدة في الرحيل.
وحين يصبح “الخلاص الفردي” حلما مشتركا، لا يعود السؤال فقط عن الهجرة، بل عما تبقى أصلا من الفكرة التي تجمع الناس باسم الوطن.
لا أحد ينكر صعوبة الواقع، ولا يمكن القفز فوق تعقيدات السياسة أو اختلال موازين القوة، لكن الإقرار بهذه لا يعني التسليم بها كقدر، ولا تبرير الجمود باسمها. فالمشكلة لا تكمن في فهم الواقع، بل في التحول التدريجي من التعامل معه إلى الاستسلام له، ومن إدراك حدوده إلى اتخاذه ذريعة لتأجيل أي محاولة جادة للتغيير.
إدارة الأزمة قد تكون ضرورية أحيانا. لكن حين تصبح أسلوب حكم دائم، فإنها تغير كل شيء. يصبح المؤقت دائما، والانتظار أسلوب حياة، والأزمة جزءا من النظام، لا خللا فيه.
الناس هنا لا تحتاج من يشرح لها ألمها. هي تعيشه كل يوم. ولا تحتاج إلى خطاب يطلب منها الصبر أكثر. ما تحتاجه هو شيء مختلف: أفق، معنى، إحساس بأن هناك من يفكر بالمستقبل، لا فقط باليوم التالي.
في النهاية، السؤال ليس إن كنا نستطيع إدارة الأزمة لقد فعلنا ذلك طويلا. السؤال الأصعب: ماذا تبقى من السياسة حين يصبح دورها فقط منع الانهيار؟
لأن السياسة التي تنجح في إبقاء الألم تحت السيطرة… قد تمنع الانفجار، لكنها وحدها لا تصنع وطنا.
*أستاذ الفكر الإسلامي والأيديولوجيات المعاصرة-جامعة الاستقلال / فلسطين
Dr. Dema Faiq Abu Latifa
Professor of Islamic Thought and Contemporary Ideologies – Al-Istiqlal University, Palestine