غزة تحت الشرعية


بقلم: د. أحمد مجدلاني
في لحظة فلسطينية بالغة الحساسية والخطورة، وبعد أكثر من عامين ونصف العام من حرب الإبادة والتدمير والعقاب الجماعي التي ارتكبتها “إسرائيل” بحق المدنيين العزّل من أبناء شعبنا في قطاع غزة، تعود قيادة حركة حماس إلى فتح مسارات تفاوضية واتصالات متعددة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، بحثاً عن مخرج من مأزق سياسي وتنظيمي خانق، ومحاولة لضمان دورها القادم بصورة منفردة، أو إعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع فيما تبقى من مساحة جغرافية من القطاع المنكوب.
غير أن ما يجري اليوم يجب أن يشكل محطة مراجعة حقيقية وعميقة للحركة، لا مناسبة جديدة للمناورة أو كسب الوقت، أو البحث عن ترتيبات تعيد تكريس الانقسام بصيغ جديدة، فغزة التي دفعت من دم أبنائها، ومن عمرانها، ومن حاضرها ومستقبلها، ما يفوق الوصف، لم تعد تحتمل تجارب إضافية، ولا رهانات فصائلية ضيقة، ولا استمرار منطق السيطرة المنفردة الذ ي سيفضي هذه المرة لتقسيم غزة وفصلها عن بعدها الوطني ونسيجها الأجتماعي والسياسي.
لقد دفعت غزة أثماناً باهظة نتيجة سياسات الانقسام، وصراعات النفوذ، وازدواجية المرجعيات، وتغليب المصالح التنظيمية على المصلحة الوطنية العليا، ودفع المواطن الفلسطيني هناك من أمنه واستقراره ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه ثمناً ثقيلاً، لا يجوز الاستمرار في تجاهله أو التعامل معه كأمر واقع، وما جرى خلال السنوات الماضية أثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الانقسام كان واحداً من أخطر العوامل التي أضعفت شعبنا وقضيتنا العادلة، وفتحت الأبواب واسعة للتدخلات الإقليمية لفرض أجنداتها الخاصة ، وأمام الاحتلال لتعميق عدوانه وحصاره ومشاريعه التصفوية.
إن التجربة أثبتت بوضوح أن لا مستقبل سياسي لأي قوة فلسطينية خارج إطار الشرعية الوطنية الفلسطينية ، منظمة التحرير الفلسطينية ، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، وبما تمثله من هوية سياسية جامعة ومكانة وطنية وعربية ودولية، كما أثبتت أن محاولات خلق بدائل أو أطر موازية للمؤسسات الوطنية لم تنجح ولم تنتج سوى مزيد من التشرذم، وإضعاف الموقف الفلسطيني، واستنزاف الطاقات الوطنية في صراعات داخلية عبثية.
ومن هنا، فإن مستقبل قطاع غزة لن يكون إلا تحت إطار المؤسسات الوطنية الشرعية، وضمن نظام سياسي فلسطيني موحد، يقوم على أسس واضحة وثابتة: دولة واحدة، وقانون واحد، وحكومة واحدة، ومؤسسات واحدة، وسلاح شرعي واحد يخضع للقرار الوطني الجامع، ويحمي مصالح الشعب الفلسطيني، لا مصالح الفصائل أو الجماعات كأذرع ممتدة لقوى إقليمية .
إن غزة ليست كياناً منفصلاً، ولا ساحة مستقلة عن القرار الوطني الفلسطيني، بل جزء أصيل من الوطن الفلسطيني الواحد، ومن النظام السياسي الفلسطيني الواحد، ومن الجغرافيا السياسية الفلسطينية التي لا تقبل القسمة أو التجزئة، وأي محاولة لإبقاء القطاع خارج هذا الإطار الوطني الجامع لن تكون سوى وصفة لضرب مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة ، وللفوضى والأزمات الاقتصادية والأجتماعية والحصار والتدخلات الخارجية ، وإدامة لمعاناة أهلنا الصامدين هناك.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن ازدواجية السلطة والسلاح والقرار كانت من أخطر أسباب إنهاك المجتمع الغزي، وتعطيل التنمية، وتراجع الخدمات، وغياب الاستقرار، وتعميق المأساة الإنسانية، فلا يمكن بناء اقتصاد، ولا جذب استثمارات، ولا إطلاق عملية إعمار حقيقية، في ظل تعدد المرجعيات، وتنازع الصلاحيات، ووجود سلطات غير شرعية متوازية.
إن إعادة إعمار غزة، وفتح المعابر، واستعادة دورة الحياة الطبيعية، وإعادة بناء المؤسسات الصحية والتعليمية والخدماتية، تتطلب بيئة سياسية وإدارية مستقرة، وهذه البيئة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال عودة السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسسات دولة فلسطين لتولي مسؤولياتها كاملة، وتمكين الحكومة الشرعية من أداء مهامها دون عوائق ، وبسط سيادة القانون بسلاح شرعي واحد على كامل القطاع.
كما أن المجتمع الدولي، والدول العربية الشقيقة، وكل الأطراف الراغبة في المساهمة بإعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار، تحتاج إلى عنوان فلسطيني شرعي واحد، وشريك رسمي واحد، ومؤسسة مسؤولة واحدة، فلا أحد يستطيع الاستثمار في الفوضى، ولا يمكن لأي عملية دعم جادة أن تنجح في ظل الانقسام والتشتت وتعدد مراكز القرار.
أما بقاء السلاح خارج إطار الشرعية، فقد أثبت أنه مدخل دائم للتوتر الداخلي، ومبرر دائم للاعتداءات الإسرائيلية، وعقبة رئيسية أمام بناء الدولة الفلسطينية المنشودة، والسلاح الوطني الحقيقي هو الذي يكون تحت مظلة القانون، وضمن عقيدة وطنية موحدة، وقرار سياسي موحد، لا أداة لتكريس الانقسام أو فرض الأمر الواقع.
وفي المقابل، فإن الاحتلال الإسرائيلي يواصل استغلال الانقسام الفلسطيني لتعميق عدوانه، وفرض الوقائع على الأرض، والحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية تمس وحدة غزة ومستقبلها، وهذا ما يؤكد أن إنهاء الانقسام لم يعد مطلباً سياسياً فقط، بل ضرورة وطنية عاجلة لحماية الأرض والإنسان والهوية الوطنية الفلسطينية.
إن اللحظة الراهنة تفرض على قيادة حركة حماس ، الانتقال من منطق التنظيم إلى منطق الوطن، ومن منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن منطق الإدارة المنفصلة إلى منطق الدولة الواحدة، كما تفرض عليها استخلاص الدروس من التجربة الماضية، والإقرار بأن المستقبل لا يبنى بالمكابرة ، بل بالتوافق الوطني ، واحترام الإرادة الشعبية التي تجسدها صناديق الأقتراع عبر الخيار الديمقراطي ، والانخراط في المشروع الوطني الجامع.
فلسطين أكبر من أي فصيل، وغزة ليست ملكاً لأحد، ومستقبلها لا يصنع إلا داخل البيت الوطني الفلسطيني الجامع، وتحت راية الشرعية الوطنية، وفي إطار دولة واحدة، وقانون واحد، وحكومة واحدة، وسلاح شرعي واحد، وما دون ذلك لن يكون إلا إعادة إنتاج للأزمة، وتمديداً لمعاناة لشعب يستحق الحياة والكرامة والحرية والاستقلال.
“نضال الشعب”