ترامب من جديد.. إشارات متناقضة لـ “الشرق الأوسط”!


بقلم : خليل حمد
قراءة السمة العامة للولاية الجديدة للرئيس الأمريكي العائد إلى البيت الأبيض، دونالد ترامب، تبدو أصعب مما يتوقع المرء نظراً لعدة عوامل:
الإشارات المتناقضة التي حملها حفل التنصيب، لناحية الضيوف وطبيعتهم، والقرارات التي استهل بها يومه الأول في البيت الأبيض.
من أبرز هذه القرارات التنفيذية التي تعني منطقتنا بشكل مباشر، رفع العقوبات عن المستوطنين في الضفة. إشارة من شأنها أن تقول: إن ترامب لا يزال الداعم حتى الصميم لـ “إسرائيل” كمشروع وليس فقط كـ “دولة”. خصوصاً وأنه يتزامن مع توسيع الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على الضفة الغربية بذريعة “حماية المستوطنين”. يمكن ربط القرار أيضاً بدعوة ترامب لقادة المستوطنات إلى حفل تنصيبه. لكنه يتعارض مع دعوات أخرى وجهها إلى حاخامَين معروفَين بعدائهما للصهيونية ورفضهما إقامة “إسرائيل” للقائه في البيت الأبيض، ليشكل ذلك “سابقة تاريخية”!
بساطة المفارقات هنا لا تعكس حقيقة اللغط والتكهنات التي تثيرها جهات سياسية وإعلامية في العالم حول خطط ترامب القادمة. ثلاث مقالات متناقضة حول سياسة ترامب في الشرق الأوسط تحديداً، نشرتها صحف معروفة صبيحة اليوم الأول لترامب في المكتب البيضاوي. توماس فريدمان في “نيويورك تايمز” وجه رسالة إلى الرئيس العائد: “تعيش المنطقة المرحلة الأخيرة من الصراع”، فإما أن “تعيد تشكيلها على أسس السلام والرخاء والمصالح للجميع، وإما أن المستوطنات بالضفة ستقوِّض أي إمكانية لحلّ الدولتين”. وفقاً للكاتب: ترامب يدرك أن تطلعات بنيامين نتنياهو تتعارض مع تطلعات سيد أمريكا للسنوات الأربع القادمة، وهذه التطلعات ستنسف حكومة نتنياهو ومستقبله السياسي ربما.
تفاؤل فريدمان الحذر بخصوص سياسة ترامب الشرق أوسطية، لا يعكس “أفضل الاحتمالات” التي تحدثت عنها ميلاني فيليبس في “التايمز” البريطانية. قالت الكاتبة ما يشير إلى أن “وقف النار في غزة” والذي ضغط ترامب لأجله قبيل تنصيبه كان بسبب عدم رغبة الرجل أن يلقي الصراع بظلاله على الحفل، لكن “مسؤولين إسرائيليين عدة –بحسب المقال-يأملون أن يدعم ترامب تل أبيب للاستمرار في حربها على غزة بعد انتهاء الاتفاق، ويساندها في تنفيذ خططها، وصولاً إلى توسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية لتضم السعودية،”الدلال” الذي حظي به المستوطنون في الأيام الأخيرة يعزز هذه الفرضية.
الأكثر تشاؤماً في توقعاته كان المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”. يستعيد الكاتب رغبة ترامب التي أعلنها ضمن حملته الانتخابية، بإنهاء الحروب التي بدأت في عهد جو بايدن، وألا يبدأ حروباً جديدة. يبني الكاتب على هذه الجملة ليصل إل خلاصة أن حرب إسرائيل انتهت في قطاع غزة بقرار من ترامب، ولن يستطيع نتنياهو واركان حكومته التأثير على أجندة البيت الأبيض فيما يتعلق بهذا الملف. يجزم الكاتب هنا أن خطة ترامب وإدارته هي واستقرار كل الجبهات المفتوحة في العالم.
في اختلاف الصحفيين ذوي الخبرة عند محاولة استشراف طريقة التعاطي الترامبية مع ملفات المنطقة والعالم، تنبع أيضاً من المفاجآت العديدة التي حملها ترامب للعالم في ولايته الأولى، ولا يبدو أنها ستكون بعيدة عن المشهد اليوم. فصاحب “صفقة القرن” أرسل مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف لترتيب اتفاق وقف النار في غزة، والذي بدوره “ضغط” على نتنياهو للقبول بالاتفاق. لكنه عاد وأعطى تصريحَين متناقضَين، في الأول حذر من أن عدم احترام اتفاق غزة سيؤدي لاندلاع الجحيم، ولا يمكن لأحد مثلاً ضبط تركيا “الغاضبة من إسرائيل”، وفي الثاني شكك في صمود الاتفاق قائلاً: “لست واثقا من استمرار وقف إطلاق النار في غزة. إنها حربهم وليست حربنا”. ليس مفهوماً “حرب مَن برأي ترامب!
المؤكد أن جزءاً من التعقيد الذي يراه ترامب في تنفيذ خططه في المنطقة ينبع من ولائه ودعمه اللا محدود لإسرائيل. الرجل يريد إنهاء الحروب، أو هكذا يُصرِّح ، ولكنه في نفس الوقت مقتنع بأن لتل أبيب الحق في أن تفعل ما تشاء في الأراضي الفلسطينية، ولو كان هذا الذي تشاؤه وتريده تل أبيب هو تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، الشريك الوحيد الذي يمكن معه تحقيق حل الدولتين، وبالتالي إحلال السلام في المنطقة عموماً.
يقول ترامب إنه يريد إنهاء الحروب، لكنه يتعامي عن حرب إسرائيل على الضفة، بل ويعطي الضوء الأخضر للمستوطنين كي يزيدوا جرائمهم، وهو ما رأت فيه السلطة الفلسطينية “تمهيدا لخلق حالة من الفوضى العنيفة في الضفة لتسهيل ضمها”. مَن يضمن أن ترامب لا يريد إحياء “صفقة القرن” ولكن بطريقة مختلفة؟
في المجمل، تعطي طريقة تعاطي إدارة ترامب في السنوات القادمة مع القضية الفلسطينية مؤشرات عن شكل العلاقة القادم بين واشنطن والمنطقة. خصوصاً في ظل متغيرات كثيرة اختلفت بين ولايتين. أبرزها سقوط النظام في سورية وبرقية الترحيب التي أرسلها قائد الإدارة الجديدة في دمشق أحمد الشرع لترامب. رسالة أعربت عن رغبة في استعادة العلاقات مع واشنطن، لكنها لم تتطرق إلى موضوع التوغل الإسرائيلي الواسع في الأراضي السورية منذ الثامن من ديسمبر الماضي، كما لم تتطرق إلى الوجود الاحتلالي الأمريكي في الشرق السوري. قد يلجأ ترامب –في ظل الإشارات الجيدة تجاه تركيا أيضاً- إلى تعديل في شكل وعديد القوات الأمريكية شرق الفرات، إرضاءً لأنقره بتخفيف الدعم لـ “قوات سورية الديمقراطية” وللإدارة الجديدة في دمشق، مع تكرار إشارات “حسن الجوار” من جميع مسؤوليها.
ومن المتغيرات أيضاً انتخاب رئيس جديد للبنان هو الجنرال جوزيف عون، الذي غيَّب عن خطابه الأول ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” التي كانت لعقود بمثابة “تميمة الصمود اللبناني”. فرصة لترامب في تعزيز دور بلاده في لبنان، إضافة لتمتين العلاقات مع حلفاء واشنطن التقليديين مثل السعودية وقطر وبقية دول الخليج إلى جانب مصر. هذا لا يعني أن الرجل لن يواصل الابتزاز، فمبلغ 500 مليار دولار جدير بزيارة الرياض قبل لندن. وإذن أمريكي بـ “برنامج نووي سعودي” ربطاً بحل القضية الفلسطينية يمكن أن يُدخل الرياض في الاتفاقات الإبراهيمية.
السلام إذا تصنعه فلسطين. سلام المنطقة الذي يزعم ترامب أنه يريده لا يمكن أن يحدث ويستمر ويستقر إلا إذا تمَّ حل القضية الفلسطينية. وفي ظل تمسك الفلسطينيين بحقوقهم، لا يمكن أن يكون هذا الحل بإنهاء القضية، بل بتنفيذ القرارات الدولية. تناقضات البيت الأبيض لا تفيد هنا. يجب على الرئيس القادم أن يحدد خياراته سريعاً، فأربع سنوات قد لا تكون كافية في ظل وجود معرقل وحيد لأي حل في المنطقة، وهو العقلية الإسرائيلية فقط.