المرحلة الثانية ومشروع ترامب للتهجير


د. أحمد مجدلاني
انتهت المرحلة الأولى من تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وحكومة الاحتلال برعاية عربية وأمريكية بإنجاز النبضة السادسة من تبادل الأسرى الإسرائيليين وإطلاق دفعة جديدة من الأسرى الفلسطينيين الغالبية العظمى منهم ممن تم اعتقالهم بعد حرب السابع من أكتوبر في القطاع.
وصلت المرحلة الأولى إلى نهايتها ولم يبدأ بعد حسب الاتفاق التفاوض على المرحلة الثانية وهي الأهم من الناحية العملية لأنها تتضمن انسحاباً إسرائيلياً على حدود قطاع غزة مع الاحتفاظ بالمناطق العازلة بعمق يتراوح ما بين خمسمائة متر إلى ألف متر على طول الحدود والتي تقدر بنحو 16% من مساحة قطاع غزة.
الاتفاق لم يضمن انتقالاً تلقائياً ما بين مراحل الاتفاق الثلاثة بل ترك مجال للتفاوض على كل مرحلة جديدة على حدة وفق شروط ومحددات تختلف عن المرحلة التي سبقتها، وهو الأمر الذي حذرنا منها واعتبرنا بأن اتفاق الإذعان والصفقة المجحفة ستتيح للاحتلال فرض شروطها في كل مرحلة من المراحل وسوف يجد نتنياهو أسباباً بدعم امريكي للتنصل من التزاماته وهو ما حصل فعلياً اثناء تطبيق المرحلة الأولى والأزمة التي سبقت تبادل الدفعة الأخيرة.
لكن الأزمة الحقيقية التي لم تتوقف حماس عندها وتدرك مخاطرها ولم تحث الوسطاء وضامني الاتفاق على تنفيذها هي بدء التفاوض على المرحلة الثانية في اليوم السادس عشر لتطبيق المرحلة الأولى.
تنصل نتنياهو وتهربه من بدء التفاوض وطلبه التأجيل إلى حين عودته من زيارته لسيد البيت الأبيض الجديد لأنه كان يعلم ولا يراهن فقط على اتفاق مع ترامب وإنما كان لديه علماً بمشروع ترامب للسيطرة على قطاع غزة، وتحويله للاستثمار للتطوير العقاري السياحي، وهو ما يحل مشكلة نتنياهو ليس من التزامات المرحلة الثانية، وإنما من الضغوط التي قد تمارس عليه بشأن عودة تسلم السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها الشرعية للوضع بقطاع غزة، بسبب عدم واقعية وإمكانية استنباط طرف ثالث يمكنه حكم غزة يلقى قبول سكانها، ورضى ودعم الأشقاء العرب والمجتمع الدولي الذي سيتحمل كلفة التعافي والإغاثة وإعادة الاعمار.
دخول ترامب على خط التهجير ومن ثم على خط تبادل الاسرى وإطلاق التهديدات العنترية بالويل والثبور لحماس وسكان قطاع غزة، لم تكن سوى استكمالاً لصورة تصدير الخوف للإسراع بالقبول بالشروط الإسرائيلية لاستكمال المرحلة الأولى من الصفقة والتفكير جدياً بتمديدها تفادياً لتطبيق المرحلة الثانية والتزاماتها والمكلفة لنتنياهو بالحفاظ على ائتلافه الحاكم.
لكن من جهة أخرى ربما قد تكون خياراً مريحاً لحماس تمديد المرحلة الأولى إذا ما اخذنا بالاعتبار أن نتنياهو وضع شروطاً لتطبيق المرحلة الثانية تقضي بتسليم حماس لسلاحها وخروجها نهائياً من قطاع غزة، وهو الامر الذي عبرت حماس عن رفضها له لكنها بالمقابل لم تتخذ أية خطوات جدية لتعزيز موقفها الرافض بالذهاب إلى الحل المنطقي والعقلاني والمسؤول بإعلان انهاء ما تبقى من حكمها لقطاع وتسليمه لحكومة السلطة الوطنية الشرعية، وإنما اتخذت موقفاً انتظارياً لعل وعسى حسب تقديرات بعض قادتها أن يشكل استمرار وجودها بقطاع غزة بأية صيغة كانت خياراً لذات الدور السابق باستمرار الانقسام والذهاب لأبعد منه بالانفصال لقطع الطريق على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
ومع هذه المواقف الانتظارية لدى قيادة حركة حماس يجري الإعداد جدياً إسرائيلياً وأمريكياً لتنفيذ مشروع ترامب بتهجير سكان غزة، والطريقة الفضلى هي العودة لاستئناف العملية العسكرية بعد انتهاء تمديد المرحلة الأولى واستعادة الاسرى الأحياء منهم والأموات.
الطريقة الفضلى أيضا للمشروع الأمريكي الإسرائيلي هي استمرار الحرب التي تخدم خطة التطهير العرقي لأن المقاول الإسرائيلي سيسلم غزة خالية من سكانها للمطور العقاري الأمريكي، وكلا منهما سيحقق أهدافه ومصالحه الاستراتيجية الأول يتخلص من خطر وجود دولة فلسطينية، والثاني تمكينه من السيطرة على قطاع غزة بدون كلفة سياسية وملاحقة قانونية.
مواجهة مشروع ترامب الذي لا يشكل تهديداً وجودياً للشعب والأرض والقضية الفلسطينية ومستقبل الدولة الفلسطينية فحسب، وإنما للأمن القومي للأشقاء بمصر والأردن والسعودية، هذا المشروع الأخطر على المنطقة لا يجابه انفرادياً من كل دولة على حدة، وإنما بموقف عربي سياسي موحد أساسه اتفاق الدول المعنية الخمسة+ فلسطين إذا لا معنى لتغييب فلسطين وهي المستهدف الأساس من مشروع ترامب نتنياهو، ما ينبغي الاتفاق عليه ليس خطة اعمار بديلة رغم أهمية ذلك لضمان تثبيت وبقاء سكان غزة، وإنما موقفاً سياسياً يضع ترامب وادارته امام خيارات سياسية ما بين علاقته الاستراتيجية السياسية والاقتصادية مع دول المنطقة والسلام الإقليمي الذي يتطلع لتحقيقه، وما بين مصالح رئيس وزراء الكيان الوظيفي إسرائيل الذي ترعاه وتموله الولايات المتحدة الأمريكية لخدمة مصالحها بالمنطقة.
ما نعتقده أن هذه المعادلة، معادلة القوة والمصالح هي اللغة التي يفهمها ترامب، وتحمله على إعادة حساباته بالمنطقة إذا لا يستوي لتحقيق رؤيته الإستراتيجية بالمنطقة السيطرة على غزة وتهجير سكانها وتهدد الأمن القومي لدول إقليمية وازنة فيها وبذات الوقت تحقيق سلام إقليمي فيها.
مرة أخرى الدرس الذي يجب أن يقرأ مجدداً من الاتفاقيات الإبراهيمية التي مر عليها سنوات أنها لم تجلب لا الأمن ولا السلام ولا الاستقرار بالمنطقة لأن الشعب الفلسطيني لم ينعم بحقه بتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، فلسطين كانت وستبقى مفتاح الأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة.
نضال الشعب