أقلام وآراء

الجزيرة.. أزمة إعلام فاقد للهوية

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

النهج الذي تتبعه قناة الجزيرة تعيدنا إلى أزمة الإعلام العربي بشكل عام. فهذه الأزمة ليست وليدة أحداث عصفت وتعصف بعالمنا العربي، وإنما ولدت مع ولادة الإعلام في هذه المنطقة، وترعرعت تحت ظلال أنظمة لم تعرف يوما المعنى الحقيقي لمفهوم الدولة، فتحولت إلى مرآة لهذه الأنظمة تعكس صورتها وتنفذ أجندتها.  وما انزلاق قناة الجزيرة وأخواتها في متاهات الفتنة والتضليل واستخدامها لكل ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة من تطور لتشويه صورة نضالنا الوطني بتاريخه وحاضره، والتحريض على قوى الشرعية المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية وفصائلنا المناضلة، إنما هو إمعان في ضرب النسيج الوطني الفلسطيني في إطار مخطط مشبوه رسم خطوطه الطرف الممول والمؤسس لهذه القناة.

وفي قراءة بسيطة لواقع الإعلام العربي منذ نشأته، لن نستغرب أن يتحول الاعلام التابع كالجزيرة وغيرها من ناقل للخبر إلى صانع لأخبار الفتنة وتعميق الانقسامات ليس في فلسطين وحسب، وإنما في كل مناطق الصراع والنزاع في منطقتنا العربية، والهدف دائما خدمة الممول ولي الأمر وحلفاءه الاقليميين أو الدوليين.

فالأزمة الحقيقية في الإعلام العربي لا ترتبط فقط بالمهنية الصحفية، بل هي أزمة هوية، إذ تخلت هذه القناة وغيرها الكثير من وسائل إعلامنا العربي عن حمل رسالة منطقتنا العربية إلى العالم، كما وانقلبوا على دورهم التنويري باعتبار أن الإعلام رسالة تستوجب الصدق والأمانة في نقل الخبر لما له من تأثير في تشكيل الوعي الجمعي وتغيير في الرأي العام. فالإعلام الفاقد للهوية الوطنية يتحول من رسالة إلى سلاح مدمر وقاتل.

وبالعودة إلى جذور هذه الأزمة تستوقفنا العديد من الخلفيات والوقائع التي أثرت في هذا الإعلام ليولد الكثير منه من رحم النظام في عملية قيصرية يتلاعب خلالها الصانع بجيناته ليصنع منه خادما مطيعا واداة من أدوات نفوذه.

وقناة الجزيرة ليست استثناءا، فتاريخ الإعلام العربي حافل بالنماذج المماثلة. لا أحد ينسى المذيع في صوت العرب أحمد سعيد خلال حرب العام ١٩٦٧ الذي كان ينقل أخبار الانتصارات الوهمية العظيمة للجيوش العربية التي تكاد ترمي إسرائيل في البحر، ودحرها لجيش العدو الصهيوني وتحريرها للأراضي، لتكتشف الشعوب العربية بعد ستة أيام من تلك الحرب، حجم التضليل الإعلامي وهول النكسة التي خسر خلالها العرب المساحات الشاسعة، وكاد جيش العدو أن يدخل دمشق والقاهرة لولا الضغط الدولي. لقد كانت مهمة ذلك الإعلام خدمة النظام وصناعة الخبر المضلل الذي يؤمن التفاف الجماهير حول الحاكم.

وفي يومنا هذا ومع التطور الهائل في ثورة تكنولوجيا المعلومات والتنوع الكبير في وسائل ومصادر الحصول على المعلومة، لا زال بعض الإعلام العربي سجين التبعية والتمويل، فاقدا للهوية ودوره التنويري، يبيض صفحات أولياء أمره، ويشيطن نضال المتمسكين باستقلالية قرارهم الوطني.

كذلك فإن أزمة الإعلام العربي اليوم هي أزمة نخب ومثقفين.  فقد كشفت العقود الأخيرة حجم الانهيار الذي يعيشه العالم العربي على جميع المستويات السياسية والثقافية وأخطرها “أزمة المثقفين ” أو “النخبة” . ففي ظل التجريف الثقافي والديني والسياسي الذي قاده النظام العربي، كان الرهان على النخبة، والأمل بأن تشكل مخرجا للأزمات المتراكمة.  إلا أنه يتبين أن هذه المجموعات من النخب والمثقفين تشكل جزءا من الأزمة طالما أنها من نتاج هذه الأنظمة التي قامت بانتقائها بما يتوافق مع مصالحها السياسية.  فهي نخب يمكن أن تستدعى لا لتقود، بل لتعزز سياسة حكوماتها، لذلك لا يمكن الحديث عن استقلاليتها. أما المثقف المستقل والحر، فهو على حد وصف إدوارد سعيد ” منفي، وهامشي، وهاو، ومؤلف لغة تحاول أن تقول الحقيقة “. والنخبة غير التابعة تتجلى مشكلتها بالانعزال وعدم القدرة على صياغة شكل يجعلها قادرة على لعب دور إيجابي.  لذلك، فهناك صنف من النخبة العربية يلعب دور المثقف المشارك في التدمير كمثقفي قناة الجزيرة وأمثالها، وصنف آخر يقف شاهدا على هذا التدمير أو عاجزا أو خائفا من عواقب المواجهة.

إن أزمة النخب والمثقفين هي أيضا نتاج لاتساع الفجوة بين النخب السياسية الحاكمة وشعوب المنطقة.  فهيمنة طبقة سياسية معينة على مقاليد الحكم لا سيما في بعض الدول العربية الغنية يدفعها إلى تضييق فضاء الحرية الذي يجب أن يتوفر للإعلام حتى يؤدي دوره المهني والتنويري والتوعوي، في الوقت الذي تطلق فيه العنان لأدواتها الإعلامية التابعة كالجزيرة وأخواتها مع توفير امكانيات دعم عملاقة.

لقد ذكرنا في البداية أن الإعلام الفاقد للهوية يتحول من رسالة إلى سلاح قاتل ومدمر. وهذا هو الحال مع الجزيرة التي ارتضت لنفسها التخلي عن مهنيتها الصحفية لتضرب النسيج الوطني الفلسطيني عبر صناعة فبركات تغذي نزعة الانقسام والتشرذم داخل الساحة الفلسطينية، وتحرض الأخ على أخيه، وتعلن حربا على الشرعية الفلسطينية مطلقة موجة من التخوين بحق أجهزة السلطة الوطنية ورموزنا الوطنية.  لذلك تم اتخاذ القرار الصائب بحظر هذه القناة درءا للفتنة وحفاظا على نسيجا الوطني الفلسطيني.  فالقضية لا تتعلق بتقييد حرية الإعلام كما يحلو للبعض أن يدعي، فالساحة الفلسطينية زاخرة بوسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، والتي تعمل بحرية كاملة بغض النظر عن توجهاتها الفكرية والسياسية.  لكن للحرية ضوابط في الإطار القانوني الدولي والإنساني إذا ما تفلتت منها تتحول إلى فوضى قاتلة وخطرا على الأمن والسلم الأهلي.

إن المثال السيء الذي تقدمه قناة الجزيرة بإصرارها على الاستمرار في نهج صناعة الخبر التضليلي، يدفعنا إلى التفكير مليا والعمل على تطوير وسائل إعلامنا الفلسطينية ورفدها بالإمكانات المادية والكادرية الكفؤة المواكبة لتطورات العصر. فالمعركة الإعلامية تمثل ركنا أساسيا في مسيرة نضالنا الوطني توقا إلى التحرر والعودة وإقامة الدولة السيدة المستقلة وعاصمتها القدس.

 

زر الذهاب إلى الأعلى