الأثمان الباهظة والعبث السياسي

بقلم: د. فريد اسماعيل
منذ بداية الحرب العدوانية الصهيونية على شعبنا الفلسطيني، جندت بعض الدول والأطراف وسائل اعلامها ذات الامكانات الضخمة كالجزيرة وأخواتها للترويج لأهداف الحرب التي أعلنها نتنياهو والمتمثلة باستعادة المختطفين والقضاء على حماس، باعتبار أن تحقيق هذه الأهداف يمثل الحد الفاصل بين الحرب والسلم. هذه الأطراف تعرف حق المعرفة أن الأهداف الحقيقية لهذه الحرب تقع في مكان آخر وهو الضفة الغربية من فلسطيننا. فقد حذر الكثيرون وفي طليعتهم جبهة النضال الشعبي الفلسطيني من خطورة ما يجري في الضفة والقدس قبل هذه الحرب وخلالها، منبهين من سياسة التطهير العرقي والقتل الممنهج ومصادرة الأراضي ، بالتزامن مع محاصرة السلطة الوطنية الفلسطينية ماليا وميدانيا لاضعافها وانهاكها تمهيدا لانهيارها وإنهاء وجودها، وبالتالي اغتيال أي فرصة أو امكانية لقيام دولة فلسطينية، في الوقت الذي كانوا فيه يغدقون الأموال على المتحكمين بقطاع غزة تعزيزا للانقسام، ومنعا للتفكير بأي وحدة فلسطينية جغرافية كانت أو سياسية من شأنها أن تعرقل مخططهم الاستراتيجي الذي يجب أن يتوج بضم المناطق الفلسطينية إلى دولة الاحتلال.
نعم، كل هؤلاء المروجون لأهداف نتنياهو المعلنة من عرب وفلسطينيين يدركون منذ البداية أن الهدف الاستراتيجي لرئيس وزراء دولة الاحتلال وحكومته الفاشية هو حسم الصراع بتصفية القضية الفلسطينية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو لماذا يصر هؤلاء على تقزيم المخاطر الصهيونية على قضيتنا رغم انكشاف الأهداف الحقيقية للحرب العدوانية ورغم كل المآسي التي تصيب أبناء شعبنا مع كل دقيقة جراء هذه الحرب، وهل من قبيل الصدفة أن يتزامن كل ذلك مع محاولات متسارعة وحثيثة لإيجاد مرجعيات سياسية فلسطينية بديلة بدعم من قوى ودول عربية لطالما تآمرت على فلسطين وشعبها.
ما يحدث في قطاع غزة أكبر بكثير من كارثة. حرب إبادة مستمرة منذ تسعة أشهر تفوق في وحشيتها وهمجيتها ما يمكن لأي عقل أن يتصوره، شلالات الدم الفلسطيني الطاهر تزداد تدفقا وغزارة مع كل ساعة ولحظة. الضحايا والشهداء بعشرات الآلاف، والدمار يتجاوز نسبة ال ٨٠ % من القطاع، والمجاعة أطلت برأسها من جديد لا سيما في مناطق الشمال. ورغم كل ذلك لا زالت وسائل إعلام القابعين على عروش من سراب تروج لانتصارات وهمية طالما أن دولة الاحتلال لم تتمكن من استرجاع المختطفين والقضاء على حماس وكأن الضحايا من أبناء شعبنا مجرد أرقام، ثم يأتي أحدهم ليعلن أن هذا ثمن المقاومة و اثمان المقاومة كبيرة وغزة تدمرت ولا جدال في ذلك ، وأن على الجميع الانخراط في القتال وليس غزة وحدها.
قبل هذه الحرب كنا نعلم أن المقاومة في أي بقعة في العالم تقدم أغلى التضحيات دفاعا عن شعبها وارضها، وهذا هو واجبها ولذلك وجدت، لكن لم نقرأ في أي كتاب أن تتم إبادة شعب وتدمر جغرافيا بأكملها وتتحول إلى أرض طاردة للحياة كرمى لعيون مقاومة أو حركة أو حزب. فالمقاومة في المفاهيم الإنسانية هي من تقدم التضحيات من أجل شعبها وليس العكس. لكن لا ضير لدى هؤلاء أن يتكرر سيناريو غزة في الضفة الغربية حين يقول أحد قادتهم أن على الجميع الانخراط في القتال، وهو يقصد طبعا الضفة الغربية. وطالما أنه اعترف بتدمير غزة، فهو يدرك أن حجم الدمار وعدد الضحايا في الضفة الغربية ستفوق بأضعاف ما حصل في غزة نظرا لوجود قطعان المستوطنين المدججين بالسلاح والمتعطشين للدم الفلسطيني.
لكن هل هم فعلا مقتنعون بحقيقة الأهداف المعلنة لنتنياهو أم أن كابوس فقدان السلطة يعمي البصيرة ويفقدهم البصر حتى يكادوا لا يلحظوا خطة سموترتش الهادفة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإجهاض أي أمل في إقامة الدولة الفلسطينية عملا بمخطط حسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية، وهنا بيت القصيد وجوهر أهداف دولة الاحتلال. هذا الهدف لم يبتدعه سموترتش، فنتنياهو بذاته عمل منذ حقبته الأولى في رئاسة الحكومة عام ١٩٩٦ إلى محاولة ترويع أبناء شعبنا والتخلص نهائيا من فكرة الدولة الفلسطينية التي رأى قادة الكيان أنها ستقوم على حساب إسرائيل كدولة يهودية. وبعدها عمد نتنياهو إلى تكريس فكرة إسرائيل كدولة يهودية في نص دستوري عام ٢٠١٨ ، لينتقل الآن إلى تكريسها كدولة يهودية دينية لسكانها اليهود مع محاولة حسم الموضوع الفلسطيني نهائيا بما يسمى حسم الصراع. وهذا يتطلب تغيير الواقع القائم في الضفة الغربية باتخاذ كل الاجراءات التي تساعد على انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية، مع تحويل الصلاحيات إلى إدارة مدنية يقودها مسؤولون داعمون للاستيطان والمستوطنين ويعملون تحت إمرة سموترتش، وبذلك يتم تغيير الحكم في الضفة دون أن تتهم حكومة الاحتلال بضمها رسميا. وهنا نتساءل: ألا يعي من يدعو إلى انخراط الجميع في القتال وليس غزة وحدها أنه يعمل على تسريع تنفيذ حكومة الاحتلال الفاشية لمخططات نتنياهو وسموترتش وبن غفير وغيرهم!!! أم أنه لا يعلم أن هناك مئات الآلاف من قطعان المستوطنين المسلحين في الضفة والذين لا حلم لهم سوى قتل الفلسطينيين، لأن الفلسطيني الجيد بالنسبة لهم هو الفلسطيني الميت. فالكوارث التي لحقت وتلحق باهلنا في قطاع غزة لن تكون سوى صورة مصغرة عما يمكن أن يحدث في الضفة.
لقد آن الأوان لامتلاك الجرأة وقول كلمة الحق. هم يدركون عواقب هذا العبث السياسي وخطورته على مستقبل الضفة والقدس وعلى قضيتنا الفلسطينية برمتها. لكن يبدو أن الكثيرين منهم قد تحولوا إلى موظفين لدى بعض الدول، يجوبون العالم باحثين عن شخصيات ينصبونها مرجعيات سياسية لشعب فلسطين بديلا لمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها مما يؤمن لأولياء نعمتهم السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني ، وكأنهم لا يعلمون أن أحد أهداف دولة الاحتلال الاستراتيجية إزالة منظمة التحرير الفلسطينية كونها تمثل الكيانية الفلسطينية. وهنا نذكرهم بأن الصراع مع العدو لم يبدأ مع السابع من أكتوبر. فقد مارست فصائل العمل الوطني الفلسطيني والقيادة الفلسطينية وأبناء شعبنا في الضفة الغربية والقدس أشكالا نضالية مختلفة ومتعددة في صراعها مع العدو، واعتمدت بشكل أساسي على المقاومة الشعبية بكل أدواتها، ونجحت إلى حد بعيد في تعطيل ولجم دولة الاحتلال وقطعان مستوطنيها. كذلك انضمت دولة فلسطين إلى مختلف المنظمات والهيئات الدولية وخاضت نضالا طويلا مع دول مختلفة قبل الحرب على غزة وخلالها كانت نتيجتها وقوف دولة الاحتلال وقادتها في قفص الاتهام أمام محكمة العدل والجنائية الدولية. فالحريص على شعبه لا يعمد إلى دفع العدو لارتكاب حرب إبادة جديدة في الضفة ، وإنما يمارس أشكالا نضالية يحافظ فيها على وجود شعبه، بالتوازي مع مواجهة وتعرية وفضح العدو ومحاكمته وعزله، مع تشكيل رأي عام ضاغط على الحكومات للدفع نحو وقف العدوان وحرب الإبادة، مع التمسك بالثوابت وبحق شعبنا في الحرية والعيش بكرامة وبناء دولته المستقلة.