أقلام وآراء

نكبة فلسطين أكبر من مجرد حدث تاريخي

 

 

 بقلم: عايدة عم علي

بعد 77 عاما من النكبة واستمرار حرب الإبادة على الفلسطينيين إضافة إلى العقلية المجرمة للكيان الصهيوني ومخططه الشيطاني لقتل كل ما على الأرض، بشراكة مع الولايات المتحدة ودول غربية في العدوان العسكري والسياسي والإعلامي وتعطيل المؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن ومنعه من اتخاذ قرار لإيقاف حرب الإبادة ونصرة شعب من حقه وواجبه مقاومة احتلال ارضه.

تبدو دولة الاحتلال العنصري اليوم في قمة مجدها، منذ ولادة ذلك الكيان  المصطنع وشرعتنه بقرار أممي في الشكل وأميركي بريطاني فرنسي في المضمون صدر عام 1947 مخالف لكل الشرائع الدولية وفيه انتهاك لميثاق الأمم المتحدة وعصبتها التي سبقتها  فقد انطلق ذلك الكيان الاستعماري الاحتلالي بالتوسع والسيطرة والقتل والإرهاب مستثمراً في عناصر قوة القوى الكبرى التي احتضنته  ومكنته من فرض واقع صعب وقاسي غلى الشعب الفلسطيني والعرب حيث غالبية الدول العربية كانت تحت الاحتلال أو خرجت لتوها منها، وهي تتلمس طريق الاستقلال والتحرر من أشكال التبعية والتخلف بعد قرون من الاستعمار والسيطرة .

فقد استطاع الاحتلال عبر هذه العقود تُحيد جل أعدائه، وتحويل بعضهم إلى أصدقاء تربطه بهم علاقات دبلوماسية كاملة وتنسيق، وتمكنت “إسرائيل” خلال تلك العقود بناء دولة صناعية متقدمة لليهود فقط، وتمتلك ترسانة عسكرية تتفوق من خلالها على سائر دول الإقليم؛ ووسط دعم سخي من حليفتها المركزية الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة لوضع نتنياهو الدموي المجرم.

وهذا توصيف لحالة الاحتلال اليوم ، ولكن ما سبق لا يغطي حقيقة أخرى تحاول “إسرائيل” طيلة العقود الماضية أن تطمسها، وهي أن كل ما عليه إسرائيل اليوم كان على حساب شعب آخر؛ حاولت دولة الاحتلال على مدار العقود الماضية سرقة الأرض والتاريخ بهويتها المصطنعة فسرقت كل ما هو فلسطيني ونسبته لها ابتداء من الثوب الفلسطيني الذي تدعي أنه من التراث الاسرائيلي، ومرورا بعملتها الشيكل والتي هي عملة الكنعانيين ولا صلة لها باليهود، وصولا عبرنة أسماء المدن الفلسطينية ، فكل شيء في فلسطين يشي بأصله ويرفض تلك الصبغة التي لم ولن تستطيع تغيير التاريخ، ولن تستطيع نسج أي علاقة بينها وبين كل ما سرقته.

وفيما تحتفي دولة الكيان الفاشي في منتصف ايار من كل عام بذكرى قيامها، يحيي الفلسطينيون في هذا التاريخ ذكرى نكبتهم؛ التي لم يسجل التاريخ الانساني الحديث حالة مثلها، بأن يكون اليوم الوطني لشعب هو يوم النكبة لشعب آخر؛ وليذكرهم بالحقيقة التي يسعون دوما لطمسها.

ما يدعوا للألم أنه على رغم رمزية احياء الفلسطينيون ذكرى النكبة لتذكير العالم الذي يدَّعي الحرية بمظلومية الشعب الفلسطيني التاريخية، فإن من المؤسف أن نرى في الجانب الآخر تقاعساً فاضحاً حيال الفلسطينيين وما يتوجب عليهم القيام به لنصرة القدس وهذا يؤكد حقيقة نجاح مشاريع الهيمنة والتفتيت والتقسيم والتدمير والتخريب التي استهدفت البناء الإنساني والبناء القيمي والأخلاقي للمجتمعات.

الفلسطينيون مستمرون في ايصال الحقيقة وبصوت عال في جميع المناحي وأهمها مسيرات العودة السلمية الشعبية، لتذكير العالم بأن كل بيت يسكنه مستوطن إسرائيلي هو في الأساس بيت لفلسطيني، وكل قطعة أرض يقيمون عليها هي أرض لفلسطيني سُرقت بالقوة؛ وأصحابها الحقيقيون لن يتنازلوا عن أملاكهم.

ففي ذكرى اغتصاب فلسطين لا يزال التراب يئن من تدنيس شذّاذ الآفاق وانقلاب العالم على المفاهيم وتدجين الموقف العربي بذريعة السلام المزعوم وهو الأمر الذي تلاقى مع فتاوى مغرضين، إلا أننا أمة ستبقى تحب الحياة كما تحب الموت متى كان الموت طريقاً إلى الحياة.

والحقيقة المؤلمة التي تفرض نفسها على المشهد الفلسطيني الدامي هي: أن العدو يمارس إرهاب الدولة بأبشع وأقذر الأساليب بلا عقاب ورغم أن هذه الحقيقة ليست جديدة أو طارئة بل هي تتزامن وإقامة هذا الكيان الغاصب على تراب فلسطين , إلا أنها في هذه المرحلة الخطيرة أصبحت أكثر وضوحاً وأكثر صلفاً ووقاحة لا بل أكثر تصميماً على استباحة الدم الفلسطيني وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية وأكثر تصميماً على انتهاك القوانين والشرائع والمواثيق الدولية.

ما حدث لأرض فلسطين الثكلى هو سيادة طغيان الدول المتآمرة على لغة العدالة وحق الشعوب. لفرض اندثار شعب متجذّر مقابل اختلاق قومية وهمية مشحونة بخرافات دينية وبغايات استعمارية جسدها بني صهيون على أرض فلسطين.

أمام صمت العالم تتوالد مفاعيل النكبة الفلسطينية بأشكال ليست مختلفة عن مضامين الماضي. فالجرائم الممنهجة في تدمير المجتمع الفلسطيني ومحاصرته والقوانين العنصرية في أوجها، وقرارات مجلس الأمن في أدراج النسيان والمحتل يضرب بها عرض الحائط دون مساءلة بدعم أمريكي وعجز عربي ودولي.

لكن صناع النكبة لن يتمكنوا من كسر إرادة الشعب الفلسطيني وطمس هويته الوطنية واخماد جذوة مقاومته ولن يفحلوا بتحويل الوهم إلى واقع ولا بتزوير التاريخ، مهما أشهروا سكاكين استعمارهم ًلقطع فلسطين

تلك رسالة يحملها كل فلسطيني؛ وتضرب في عمق كيانية وكينونة الاحتلال وتذكيره أن كل ما بناه إنما بُني على رمال متحركة من الباطل، بكل أنواع القمع والتنكيل والحصار على الفلسطينيين، لكي يسلموا لها ويمنحوها صك الشرعية ويوقعوا له صك الاستسلام فقرروا التحدي وانتقلوا من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم عبر المقاومة الشعبية بجميع أشكالها.

النكبة في الزمن الـمُر تصبح هَمّاً يومياً وحالة قائمة ومستمرة، وحده خط المواجهة هو الذي يضع حدوداً فاصلة ونهايات سنصل إليها يوماً، وقد اقتربت لتكون النكبة مجرّد دروس مرت، لتحلَّ مكانها يوميات العمل في الميدان والسياسة والوجود والمصير، والأهم في الهوية والانتماء. ‏

زر الذهاب إلى الأعلى