تقاير وتحقيقات

دولار لـ99 عاما.. إسرائيل تؤجر أمريكا أرضا فلسطينية مصادرة لبناء سفارتها بالقدس

 

انتهاك واستفزاز سافر يذكر بوعد بلفور المشؤوم وصفقة القرن

تقرير – نائل موسى – في انتهاك امريكي – إسرائيلي سافر للقانون الدولي والشرعة الدولية أبرمت حكومة الاحتلال بزعامة نتنياهو اتفاقا مع حليفتها إدارة ترامب، اجرت بموجبه واشنطن ارضا فلسطينية خاصة مصادرة بالقدس، لإقامة مقر دائم للسفارة الأميركية في المدينة المحتلة.

وقّع الاتفاق البالغة قيمته دولار واحد لقاء ايجار يمتد الى 99 عاما، وزير الخارجية في حكومة الاحتلال، جدعون ساعر، والسفير الأميركي لدى إسرائيل المتصهين مايك هاكابي، ورئيس بلدية الاحتلال بالقدس موشيه ليئون، في امعان باستفزاز مشاعر الفلسطينيين الوطنية وانصارهم حول العالم.

والأرض المعروفة بـ “مجمع اللنبي” تقع في حي البقعة الفوقا بالقدس الغربية، وتقدر مساحتها بنحو 32 دونماً. تعود لعدة عائلات مقدسية معروفة سطت عليها سلطات الاحتلال بموجب ما يسمى قانون أملاك الغائبين.

ويعرف من بين أصحاب هذه الأرض، اشخاص من عائلات الدجاني، العلمي، قيبلو، هجرت عشية النكبة عام 1948، وهم يواصلون تحركا للدفع الإدارة الامريكية الى التراجع عن الخطوة التي اعتبرها متابعون بمثابة احياء لصفقة القرن البائدة التي اسقطها الصمود الفلسطيني.

ومطلع الشهر الجاري وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفاقية لاستئجار تلك الأرض ً مقابل قيمة رمزية تبلغ دولاراً واحداً لمدة 99 عاماً، لبناء المقر الدائم للسفارة الأمريكية، ما أثار انتقادات واسعة؛ كون الأرض مملوكة تاريخياً لعائلات فلسطينية، تمت مصادرتها، وهو ما تعتبره الأمم المتحدة إجراءً غير قانوني يخالف القانون الدولي

وفي خطوة قالت حكومة الاحتلال إنها تعكس “التحالف الوثيق” بين الجانبين، أوضحت الخارجية الإسرائيلية أن الاتفاقية تمثل بداية انتقال السفارة الأمريكية من مقرها الحالي إلى مقرها الدائم الجديد في القدس.

واعتبرت في بيان، ان الخطوة تأتي استكمالا لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عام 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها.

وزعم ساعر خلال مراسم التوقيع إن قرار ترامب التاريخي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس كان بمنزلة “عدالة تاريخية”، واليوم مع توقيع اتفاقية بدء بناء المقر الدائم للسفارة، بمجمع اللنبي ، “تُرسَّخ هذه الخطوة بقوةٍ أكبر للأجيال القادمة”.

بدوره، قال هاكاب وهو يدس يده في جيبه ويخرج ورقة نقد، إن عقد الإيجار يمتد 99 عاما مقابل دولار واحد، معتبرا أن المجمع الجديد يعزز الوجود الأمريكي في القدس، ومكررا وصف المدينة بأنها “العاصمة الأبدية لإسرائيل”.

وبعد أن احتلت إسرائيل شرقي القدس خلال عدوان عام 1967، أعلنت المدينة عاصمة موحدة لها، وهو إعلان لم يحظ باعتراف على المستوى الدولي.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، أعلن الرئيس ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقرر نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، قبل افتتاح المقر المؤقت للسفارة في مايو/أيار 2018، مما أثار حينذاك انتقادات دولية واسعة باعتباره مخالفا للإجماع الدولي بشأن وضع مدينة القدس.

وفي حينه، قال مركز عدالة الحقوقي في إسرائيل إن الأرض المخصصة لبناء مجمع السفارة صودرت من فلسطينيين باستخدام قانون أملاك الغائبين لعام 1950، مؤكدا أن وثائق أرشيفية تثبت ملكيتها لعائلات فلسطينية قبل عام 1948، وأنها كانت مؤجرة لسلطات الانتداب البريطاني.

وتعتبر الأمم المتحدة القدس الشرقية جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وتؤكد أن أي إجراءات تهدف إلى تغيير طابع المدينة أو وضعها القانوني لا تتمتع بأي أثر قانوني بموجب القانون الدولي.

وأدانت جهات حقوقية وورثة فلسطينيون الاتفاق الذي اُبرم على أرض بالقدس، تؤكد وثائق تاريخية ملكيتها لعائلات فلسطينية.

ويرى أصحاب الأراضي الشرعيين ان القضية ليست في قيمة الدولار الواحد، بل في المعنى السياسي والقانوني والإنساني لما جرى: أرض اشتراها أصحابها، ودفعوا ثمنها، وسُجلت رسميًا، ثم صودرت بعد عام 1948، واليوم تُؤجر لدولة أجنبية وكأن أصحابها لم يوجدوا أصلًا.

ويؤكد أصحاب الارض أن هذه القضية لا تخصهم وحدهم، بل تمثل نموذجًا أوسع لما واجهته الملكيات الفلسطينية الخاصة في القدس الغربية بعد عام 1948. وهي تطرح أسئلة جوهرية حول احترام الملكية الخاصة، وحماية الوثائق التاريخية، ومكانة القدس القانونية والسياسية، ودور المؤسسات الفلسطينية في الدفاع عن حقوق أصحاب الأملاك.

ويقول منير عارف قليبو، أحد ورثة المالكين الأصليين: إنها عملية بيع أو إهداء على حسابنا نحن ملاك الأرض، وكي يتم إخراج المشهد بأقل قدر من الضجيج جاء على صيغة إيجار من بلدية القدس بدولار.

وأضاف: بعد التوقيع وتبادل الابتسامات أمام الكاميرات التلفزيونية دس السفير الأمريكي يده في جيبه والتقط منها دولار أمريكي واحدة وعرضه أمام العدسات وأعطاه لوزير خارجية حكومة الاحتلال وتبادلا الابتسامات؟!

وأوضح: تعود الأرض لعائلات مقدسية فلسطينية هُجرت قبيل النكبة، وابان فترة الانتداب، كانت الأرض مؤجرة حينها للحكومة البريطانية لاستخدامها كثكنات عسكرية (مُعسكر اللنبي). وصادرتها إسرائيل لاحقاً بناءً على “قانون أملاك الغائبين” لعام 1950.

وقال قليبو: تؤكد الوثائق وسجلات التسجيل الأصلية التي تحتفظ بها العائلات الفلسطينية (مثل عائلات الخالدي وقليبو) ملكيتها، في حين تندد منظمات حقوقية مثل مركز عدالة بالاتفاقية وتعتبرها انتهاكاً لحقوق الملكية الخاصة وقواعد القانون الدولي.

والأرض كانت مملوكة لعشرات العائلات الفلسطينية المقدسية المعروفة، وحتى اليوم أسماء آبائهم وأجدادهم مدونة في السجلات التاريخية كمالكين لهذه الأرض. ورأيت أنا بصفتي أحد ورثة المالكين الأصليين، البدء بجمع الوثائق وربط الورثة، حتى لا تضيع الذاكرة التاريخية للأرض.

وقال انه أطلق نداء لتوثيق التاريخ، وجمع الوثائق، والتواصل مع جميع الورثة، والحفاظ على هذا الإرث التاريخي للأجيال القادمة. وتجديد الضغوط على مسؤولين أميركيين لإلغاء خطط بناء السفارة الأميركية في القدس على أملاكهم المصادرة.

 

 

 

 

 

 

 

بدورها، أدانت مؤسسات حقوقية وعائلات فلسطينية الاتفاق.

واستنكر مركز عدالة الحقوقي الاتفاق بأشد العبارات، معتبرًا إياه اضفاءً للشرعية على مصادرة الأراضي الفلسطينية، وتكريسًا مباشرًا لسياسات الاستيلاء والاقتلاع التي تنتهجها إسرائيل بحق الفلسطينيين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.

وأوضح المركز انه سبق له وقدم في كانون الثاني 2023، اعتراضًا رسميًا إلى سلطات التخطيط الإسرائيلية نيابةً عن 12 من أحفاد المالكين الفلسطينيين الأصليين، من بينهم مواطنون أمريكيون وأردنيون، وفلسطينيين من سكان القدس، مطالبًا بوقف عملية تخصيص الأرض لإقامة مجمّع السفارة الأمريكية. إلا أن سلطات التخطيط رفضت الاعتراض، وصادقت على المخطط في أيلول 2023، قبل أن تقرّه نهائيا في نيسان 2024، متجاهلةً الحقوق القانونية والتاريخية لأصحاب الأرض وورثتهم.

وأكد عدالة أن إقامة مجمّع السفارة الأمريكية تنتهك المكانة القانونية الدولية الخاصة لمدينة القدس، باعتبارها كيانًا ذا وضع دولي خاص، وفقًا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأن المضي في إنشاء مقر دائم للسفارة، إلى جانب الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، لا يقتصر على كونه موقفًا سياسيًا أو خطوة دبلوماسية، بل يشكّل دعمًا عمليًا للضم الإسرائيلي غير القانوني للقدس الشرقية، ويمنح غطاءً لاستمرار الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها إسرائيل، في انتهاكٍ للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني.

وأضاف: “الاتفاق يكرّس، بشكل مقصود، ظلمًا تاريخيًا. فمن خلال المضي قدمًا في المشروع، رغم وجود مطالبات قانونية موثقة بملكية الأرض، تضفي الولايات المتحدة الشرعية على الاستيلاء غير القانوني على أراضٍ تعود إلى مواطنين أمريكيين. وعلاوة على ذلك، فإن إقامة السفارة على أرض صودرت بموجب قانون أملاك الغائبين تعني أن الحكومة الأمريكية تؤيد بصورة مباشرة الآليات غير القانونية التي تستخدمها إسرائيل لسلب الفلسطينيين أراضيهم وتهجيرهم، بما ينتهك الحقوق الأساسية في الملكية للمالكين الفلسطينيين الأصليين وورثتهم، في انتهاك مباشر للقانون الدولي ولحظر الضم غير القانوني.”

وأعرب مركز “عدالة” عن رفضه الشديد للاتفاق، كونه يمنح شرعية لسياسات مصادرة الأراضي الفلسطينية ويعزز الاستيلاء والاقتلاع بحق الفلسطينيين.

وأوضح المركز أن الأرض المخصصة للمشروع هي ملكية خاصة لفلسطينيين صودرت استنادًا إلى “قانون أملاك الغائبين” الصادر عام 1950، وهو قانون يوصف بالتمييزي واستُخدم على نطاق واسع لتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم.

وشدد على أن إقامة مجمّع السفارة في القدس تمسّ بالوضع القانوني الدولي للمدينة، وتنسجم مع سياسات الضم غير القانوني، وينتهك القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. وإن المضي في المشروع رغم النزاعات القانونية القائمة “يُكرّس ظلمًا تاريخيًا ويمنح غطاءً لآليات مصادرة الأراضي وتهجير أصحابها.

بدورها، أكدت “الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”، أن الاتفاقية لا تترتب عليها أي آثار قانونية، كون تلك الأرض ملكية لمواطنين فلسطينيين، وأن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يغيّر من الوضع القانوني للأرض، ولا يمس بحقوق مالكيها الأصليين.

وقالت الدائرة: القدس أرض فلسطينية محتلة وفقا لأحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وأن حالة الاحتلال لا تمنح إسرائيل أي حقوق سيادية على المدينة، وإسرائيل لا تتمتع بصفة الدولة ذات السيادة التي تخولها التصرف بأراضي القدس، سواء بالبيع أو التنازل أو منحها لأي دولة أخرى، وهذا مبدأ قانوني راسخ ومؤكد في قرارات مجلس الأمن الدولي، ولا سيما القراران 476 و478 الصادران عام 1980، اللذان اعتبرا “أن جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية التي اتخذتها إسرائيل لتغيير طابع مدينة القدس ووضعها القانوني هي إجراءات باطلة ولاغية، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني”.

ورأت الدائرة القانونية أن الخطوة تمثل امتدادا لنمط استعماري تاريخي يعيد إلى الأذهان ما جرى عام 1917، عندما تم تجاهل قواعد القانون الدولي وإنكار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إثر إقدام حكومة الانتداب البريطانية آنذاك على إصدار وعد بلفور، الذي منح الحركة الصهيونية حقا في أرض لا تملكها لإقامة وطن قومي لليهود. معتبرة أن المشهد يتكرر اليوم بصورة جديدة، من خلال قيام سلطات الاحتلال، بمصادرة أراض مملوكة لمواطنين فلسطينيين ومنحها لدولة كي تستخدمها في تشييد سفارة لها.

واشارت الى ان الأمم المتحدة أكدت، في العديد من قراراتها، أن أي إجراءات تستهدف تغيير الوضع القانوني أو الديمغرافي أو التاريخي لمدينة القدس غير قانونية وغير معترف بها دوليا. وأن المادة (46) من لائحة لاهاي الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907، وهي من المرتكزات الأساسية للقانون الدولي الإنساني، تنص صراحة على وجوب احترام الملكية الخاصة وتحظر مصادرتها من قبل الاحتلال، كما تحظر اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 استخدام الأراضي المحتلة أو التصرف بها بما يخدم مصالح قوة الاحتلال أو أي طرف ثالث.

وأضافت: هذه الخطوة تعكس استمرار سياسة فرض الأمر الواقع التي تنتهجها إسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بهدف تكريس وقائع قانونية وسياسية، في تجاوز لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الثابت في تقرير مصيره والسيادة على أرضه، وتحد صريح للقرارات الدولية التي تؤكد عدم مشروعية أي إجراءات من شأنها تغيير الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة أو المساس بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.

ودعت الدائرة المحاكم الدولية، ومؤسسات الأمم المتحدة، ودول العالم إلى إدانة هذه الخطوة، معتبرة استمرار تراخي المجتمع الدولي في التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة تشجيع لها لمواصلة تمردها على قواعد القانون الدولي. مؤكدة أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات دولية رادعة وعقابية تضع حدا لسياسة الإفلات من العقاب والغطرسة التي تمارسها إسرائيل أمام أنظار العالم، بما يصون القانون الدولي ويحمي حقوق الشعب الفلسطيني.

زر الذهاب إلى الأعلى