أقلام وآراء

الحرب ورسم معالم الاقليم الجديدة

 

 بقلم : د.فريد اسماعيل

مرحلة جديدة عنوانها إعادة هندسة النظام الاقليمي يسعى فيه كل طرف فرض مساره، في محاولة إعادة رسم موازين القوى في المنطقة والاقليم. ولذلك لم يعد التصعيد في المنطقة يمثل تعبيرا عن أزمة يمكن تجاوزها أو ضبط ايقاعها ومساحة توسعها، بل كباش وصراع على الموقع والنفوذ والدور في النظام الجديد الذي بدأ بالتشكل، وبالتالي فإن المواجهة الأمريكية الإيرانية لم تعد تدار اليوم وفق القواعد التقليدية، وانتقل الطرفان من سياسة الاحتواء المتبادل إلى مناورات الضغط المركب عبر استخدام كل أدوات التصعيد والضغط والابتزاز العسكرية والسياسية والاقتصادية والجغرافية. وقد عبرت طهران عن هذا الواقع من خلال اعتبارها السيادة على مضيق هرمز أهم من القنبلة النووية. أما إسرائيل، فإنها تستغل ما يحدث لفرض تعريفها الجديد لمفهوم الأمن الحدودي والذي اعتمدته بعد السابع من أكتوبر من خلال فرض ترتيبات أمنية جديدة في الدول المحاذية وبالتحديد في سوريا ولبنان، بعد احتلالها لمساحات واسعة من اراضي هذه الدول وتسميتها مناطق أمنية أو عازلة وفق مقتضيات أمنها القومي كما تدعي، بينما يجد لبنان نفسه من جديد في قلب العاصفة الاقليمية التي تشكل فيها سوريا اليوم إحدى أبرز مساحات التحول الجيوسياسي، كذلك فإن قمة حلف الأطلسي في انقرة اضافت بعدا آخر على المشهد عكس التحولات في النظرة الغربية للموقع الجيوسياسي لتركيا في ظل التنافس مع روسيا والصين، والاهمية المتصاعدة للممرات البرية والطاقة في الشرق الأوسط.

ومن مفارقات هذه الحروب، أنه ورغم ان الأطراف المنخرطة فيها هي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، إلا ان العرب وخاصة السعودية يعتبرون من أكبر الخاسرين لأنهم في قلب الجغرافيا والاقتصاد العالمي للطاقة، ما يجعلهم عرضة للهجمات الإيرانية المباشرة ولاضطراب اسواق النفط وانهيار صورة الخليج كمنطقة آمنة للاستثمار والسياحة. فالخسائر ليست فقط عسكرية بل اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد. بالمقابل فإن إيران رغم خسائرها اعتادت على العقوبات والضغط وتعتقد انها تستطيع رفع كلفة الحرب على خصومها عبر استهداف الخليج الذي لم يكن في الأصل جزءًا من الصراع، فاستهدفت منشآت الطاقة والمطارات في الخليج مما أدى إلى تعطيل صادرات النفط والغاز وإلغاء آلاف الرحلات الجوية مما أثر على السياحة، ودفع البنك الدولي إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي الخليجي من ٤،٤% إلى ١،٣%.

وبالإضافة الى التأثيرات المباشرة لهذه الحرب على دول الخليج العربي، فإن لأطرافها رغم الخصومة والتناقضات، مصلحة استراتيجية في اضعاف دول الخليج لكن مع اختلاف الاهداف. فالهدف الايراني من استهداف دول الخليج وتعطيل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ٢٠% من تجارة النفط العالمية، والتلويح بورقة باب المندب عبر الحوثيين، هو ممارسة الضغط الأقصى على الولايات المتحدة لتقديم تنازلات إضافية لطهران في مفاوضات رسم معالم النظام الاقليمي الجديد، وهي تتجنب الى حد كبير ضرب القوات الأمريكية مباشرة بسبب قوة دفاعاتها وخوفا من رد مدمر يضعف قدرتها التفاوضية. كذلك فإن لإسرائيل مصلحة استراتيجية في اضعاف دول الخليج العربي. ويبدو أيضا أن الولايات المتحدة غير منزعجة من هذا الواقع .فالمصلحة الإسرائيلية من ضرب إيران لدول الخليج تدور حول إعادة تشكيل ميزان القوى الاقليمي لصالحها واستغلال الصراع لتحقيق أهداف استراتيجية وأمنية واقتصادية، إذ تعتقد بأن ذلك يخفف الضغط المباشر عليها، وأن استنزاف إيران في مواجهة مع دول الخليج والولايات المتحدة يجعل طهران اقل قدرة على دعم حلفاءها مثل حزب الله والحوثيين، كما تعتقد بأن الاستهداف الايراني المباشر للخليج يمكن أن يدفع هذه الدول إلى تعميق التعاون الأمني معها, ما يفتح الباب أمام مزيد من التطبيع والتنسيق العسكري والاستخباري، سيما وان إسرائيل تقدم نفسها كدرع تكنولوجي ضد الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ما يعزز مكانتها كقوة اقليمية لا غنى عنها في حماية الخليج. اما المصلحة الأمريكية، فتكمن في تعزيز اعتماد الخليج عليها وضمان استمرار نفوذها في أسواق الطاقة وفي الاقليم. فالولايات المتحدة ورغم علاقاتها العميقة مع دول الخليج، إلا أنها لم تكن مرتاحة لتصاعد الدور الخليجي الاقتصادي والسياسي على الصعيدين الاقليمي والعالمي وخاصة السعودي، وتأثيراته في قضايا المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

في الصورة العامة، ترمب يضغط على إيران، وإيران ترد الضغط عبر هرمز والتلويح بورقة باب المندب. اما الضغط الامريكي فإنه يتجاوز حصار إيران من جهة الغرب والجنوب عبر مضيق هرمز ويصل الى الشمال عبر حدودها مع اذربيجان. فالتأثير الامريكي الإسرائيلي الاذربيجاني في المحافظات الشمالية الإيرانية ذات الاغلبية الآذرية أصبح واضحا، في الوقت الذي يسعون فيه الى تسريع فتح ممر زنغزور الذي من شأنه تعطيل طرق التجارة والنقل والطاقة الإيرانية عبر حدودها الشمالية. ولذلك تحاول إيران فرض سيادتها على مضيق هرمز وتلوح بتعطيل الحركة في باب المندب عبر الحوثيين وادواتها في الصومال، ما سيؤدي الى إلحاق أذى استراتيجي بالسعودية التي اندفعت لتوجيه رسالة بالنار عبر ضربات مدرج مطار صنعاء، لكنها تدرك ان إدخالها في الصراع سوف يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى. كما ان السعودية عادت وأكدت للولايات المتحدة رفضها مرور المشروع للحد من النفوذ الإسرائيلي مستقبلا. في المقابل تستخدم إسرائيل ورقة الدروز في سوريا لتؤكد انسداد هذا الممر وانه لا بديل عن إسرائيل كممر أمن.

المنطقة بكاملها أمام مرحلة حسم ملفات عديدة ومتشابكة في الوقت اهمها ملف إيران ونفوذها في الاقليم من خلال الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، وملف تمرير الغاز عبر إسرائيل لفرض نفوذها في المنطقة والهيمنة على قرارها ومقدراتها مستفيدة من تأثيرات الحرب الحالية على دول المنطقة. ملفات ترسم معالم الاقليم الجديدة في ظل عجز عربي وتغييب للقضية الفلسطينية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى