أقلام وآراء

لبنان.. مغامرة عبثية ووضع إنساني كارثي

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

للحروب وجوه بشعة مثقلة بالمآسي والكوارث مهما حاول القادة تزيينها بمساحيق الشعارات والسرديات الشعبوية. والكلام هنا ليس عن حق الشعوب في النضال من أجل حريتها وكرامتها وارضها واستقلالها واختيارها لشكل النضال الذي من الواجب أن يتناسب مع طبيعة المرحلة وظروفها، بما يخدم الهدف الأسمى ولا يودي إلى الانتحار.

ويبدو أنه كتب لمنطقتنا العربية وفي قلبها فلسطين أن تكون مسرحا لحروب متتالية منذ بدء التاريخ، حروب تتلطى بسلسلة عباءات منها الدينية والقومية أو التاريخية المزيفة. لكن الهدف يبقى السيطرة على المنطقة لما تملكه من موقع جيواستراتيجي وثروات وتراث ديني وحضاري. يتم اختلاق السرديات الزائفة وتقديمها كحقيقة تاريخية فتدفع فلسطين وشعبها الثمن، وتتنوع الشعارات المتلونة بقناع الدين ليتم اختراق الشعوب ويعم الخراب المنطقة ويتحول أهلها إلى ضحايا حروب لم يختاروها. هذا هو حال لبنان اليوم الذي يعيش شعبه والمقيمون فيه معاناة إنسانية لم يشهد أقسى منها سوى أهلنا في فلسطين وبالتحديد في غزة المنكوبة. وكأنه لم يكن كافيا فقدان اهل الجنوب اللبناني وبعض المناطق الأخرى خسارة أبنائهم وتدمير منازلهم وإزالة قراهم الحدودية بكل ما حوت من جنى أعمارهم خلال حرب الشهرين عام ٢٠٢٤، لتأتي هذه الحرب اليوم مستنزفة كل طاقتهم على التحمل.

دون سابق إنذار استفاق الجنوبيون على نبأ صواريخ أطلقت من لبنان ردا على اغتيال المرشد الإيراني. لم يسعفهم الوقت لحزم امتعتهم أو حتى تناول سحورهم، لتبدأ مع ذلك رحلة النزوح المر منتصف ليل حالك وبرد شتاء لا يرحم طفلا أو شيخا. غادر الجنوبيون منازلهم ليلا رغم البرد فور سماعهم الخبر وحتى قبل أن تبدأ إسرائيل استئناف نهجها التدميري. اكتظت الشوارع بالسيارات المنطلقة باتجاه واحد من مختلف مناطق الجنوب نحو مدينة صيدا ومنها إلى حيث يشاء القدر. توجهت أعداد غير قليلة من أهالي المدينة والمقيمين فيها ،ونحن منهم، إلى الشوارع الرئيسية مشيا على الأقدام لتعذر مرور السيارات بسبب الزحمة الخانقة، عسى يمكن تقديم مساعدة في شيء ما، ومعاينة الوضع على الأرض بشكل مباشر. توزع شباب المدينة في عدة نقاط على الشارع العام والكورنيش البحري حيث عملوا على توزيع المياه على الهاربين من الجحيم القادم، بينما بعض النسوة يقدمن ما تيسر من بعض الطعام. هذا المشهد التضامني الصادق من أبناء المدينة اتشح بدموع الأمهات العاجزات عن وقف صراخ اطفالهن المرتجفين بردا، وبصدمة معظمهم من مغامرة عبثية معروفة النتائج كانوا يراهنون على عدم تكرارها.

بزغ فجر ذلك الصباح، وكان صباحا مثقلا بالانتظار. شوارع معبدة بقوافل السيارات، حقائب أعدت على عجل، عيون حائرة تبحث عن وجهة آمنة، ومدارس ومساجد وحتى ساحات عامة تحولت إلى ملاجئ مؤقتة. ومع الساعات الأولى من ذلك النهار بدأت تتوضح معالم المأساة وفصولها. الفصل الأول كان إطلاق الصواريخ دون وجود خطة تؤمن للبيئة خروجا آمنا ومنظما، ما نتج عنه حالة من الرعب والدهشة والخوف واللوعة لا تشفيها البيانات التعبوية ولا الخطابات الشعبوية العالية السقوف. الفصل الثاني تمثل بخروج واخلاء فوضوي وبالتحديد من الجنوب وضاحية بيروت وبعض مناطق البقاع باتجاه مناطق أخرى على امتداد لبنان، حيث تم على عجل فتح مراكز إيواء في ظل عجز وضيق وسوء حال. وفي مراكز الإيواء هذه يبدأ الفصل الثالث الذي اضاف الى عذابات الهاربين الذين يعددون بالدموع خسائرهم ومعاناتهم وآلامهم، أصنافا أخرى من المعاناة شهدناها بأم العين.

مراكز الإيواء وصلت إلى الحدود الأقصى من القدرة الاستيعابية للنازحين خلال ساعات قليلة. هذا ما لمسناه وأكدته لجنة الأزمات في بلدية صيدا، وهو وضع تكرر في معظم مراكز الإيواء على الأرض اللبنانية، إذ تبذل البلديات جهودا متواصلة لتأمين مراكز إضافية. وما أن تدخل إلى أي من هذه المراكز حتى تتحول إلى فرضية أو احتمال “منقذ”، فتنهال عليك الشكوى من قلة الفراش والبطانيات والمياه والطعام، والعجز عن النوم حتى داخل غرفة الإيواء بسبب البرد. فقد خرجت تلك العائلات من بيوتها دون أن يتاح لها الوقت لتفكر فيما قد تحتاجه أو يجب أن تحمله معها. كذلك وجدت البلديات نفسها في واقع صعب وعاجزة عن تأمين الاحتياجات الطارئة بشكل فوري، على عكس ما كان عليه الحال في عمليات النزوح السابقة خلال حرب العام ٢٠٠٦ حيث معظم الامكانيات كانت متوافرة، أو حتى خلال حرب الشهرين عام ٢٠٢٤ حيث كان بالإمكان تأمين ولو الحد الأدنى من الاحتياجات. وقد عبر محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر بشكل صريح وواضح عن هذا الواقع المؤلم من خلال دعوته عبر منصة “اكس” للمجبرين على النزوح، اصطحاب الفرش والبطانيات والحاجات الأساسية إذا أمكن، لأن الكميات الموجودة محدودة جدا. كذلك أكد محافظ بيروت القاضي مروان عبود ان حجم النزوح أدى إلى اكتظاظ سكاني غير مسبوق انعكس ضغطا كبيرا على البنية التحتية، ازدحام خانق، صعوبة دخول المؤن، تعقيدات في حالات الطوارئ، وضغط على شبكات المياه والخدمات مشيرا إلى التحديات الضخمة بسبب شح الإمكانات معولا على وعي الناس وكرمهم وتكاتفهم حتى التمكن من عبور هذه الأيام الصعبة بأقل خسائر ممكنة.

لبنان اليوم يواجه واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في تاريخه خاصة بعد إصدار العدو أوامر نزوح جماعية واسعة شملت مناطق معاقل البيئة الاجتماعية لحزب الله تشمل كامل منطقة جنوب الليطاني وغالبية الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في البقاع، ما يشكل تحولا نوعيا في طبيعة المواجهة يعيد الى الاذهان نكبات النزوح الجماعي في غزة، إذ أن هذه المناطق تضم كثافة سكانية كبيرة، حيث تشير التقديرات إلى نزوح ما بين ٤٠٠ ألف إلى ٥٠٠ ألف شخص حتى اليوم الرابع من هذه الحرب وبالتحديد بعد أوامر الإخلاء الجماعية.

معاناة الأهالي أكثر قسوة من أي بيان رسمي، عائلات تركت خلفها بيوتا اقفلت على قلق مفتوح، وحالة من النزوح المجهول المدى، ووجوه أرهقها الترحال يغمرها الغضب، وأصوات تعلو: لقد تعبنا، كفى.

زر الذهاب إلى الأعلى