الشارع البريطاني ودعم حزب العمال لإسرائيل


بقلم: خليل حمد
الأصوات التي ترتفع في الشارع البريطاني دعماً لفلسطين في مواجهة حرب الإبادة الجماعية التي تشنها “إسرائيل” انعكست انتقادات لأداء حزب العمال البريطاني في الدعم المستمر لتل أبيب، والتخلي عن وعوده المتكررة بالتغيير.
في الأخبار، حركة التضامن مع فلسطين تستعد للاحتجاج على تعامل حزب العمال مع ملف الإبادة الجماعية الإسرائيلية المرتكبة في غزة” خلال فترة حكمه التي استمرت لشهرين ونصف، ومطالبات بمساءلة الحكومة الحالية عن سياستها تزامناً مع المؤتمر السنوي للحزب.
في الأسباب، دعم لندن لتل أبيب يساهم كثيراً في استمرار شلال الدماء. عسكرياً ومالياً وسياسياً، تقدم حكومات الغرب وعلى رأسها بريطانيا الدعم لـ “إسرائيل” متجاهلة مطالبات شعبية كبيرة لوقف الدعم الذي يؤدي إلى استمرار المجزرة. ووقف التعامل مع “إسرائيل” كـ “دولة شريكة للغرب وديمقراطية”، فالواقع مختلف بدليل كل المدنيين الذي يستشهدون بغارات طائرات جيش الاحتلال على غزة وعلى لبنان.
لكن الحقيقة أعمق، فتاريخ دعم الأحزاب البريطانية، سواء المحافظين أو العمال، لإسرائيل لا يخفى على أحد، بل إن بريطانيا هي الأم الحقيقة لـ “إسرائيل”، والمسؤولة عن إنشاء الكيان على أرضنا العربية أثناء احتلالها لفلسطين والأردن في أعقاب الحرب العمالية الأولى، وما تلا ذلك من استمرار تبني المشروع الصهيوني على أرض فلسطين حتى اللحظة. وللمعلومة فإن الإعلان عن إقامة الكيان جاء في زمن رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي المنتمي لحزب العمال.
في واقعنا الحديث، يتغلل اللوبي الصهيوني في مفاصل الحياة السياسية الغربية بشكل كبير بما لا يسمح لأي قرار مناهض لـ “إسرائيل” أن يرى النور، بل لا يسمح لأي مسؤول مؤيد فعلاً للحق الفلسطيني أن يصل إلى موقع القرار. في منتصف شباط / فبراير الماضي، أوقف حزب العمال البريطاني ترشيح اثنين من أعضائه للانتخابات العامة على خلفية انتقادهم لـ “إسرائيل”.
بهذا المعنى، رأى كثيرون أن تعليق الحكومة البريطانية 30 من أصل 350 ترخيصاً لتصدير الأسلحة إلى “إسرائيل” ليس إلا ذراً للرماد في العيون، ومحاولة لإسكات الشارع البريطاني الغاضب ضد الدعم اللا محدود لتل أبيب، لكن الحيلة لم تنطلِ على المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين، الذين وقفوا بعدها خارج مدخل مؤتمر حزب العمال في ملعب إيه سي سي في ليفربول ليهتفوا ضد دعم الحزب لتل أبيب. وكانت هناك شاحنات سوداء متوقفة بالقرب من المكان تحمل لافتات كتب عليها “علقوا جميع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل”.
دعم “إسرائيل” تقليد من تقاليد حزب العمال كما قال ستارمر، وبناء عليه تتصرف كل الحكومات التي يرأسها الحزب. وهكذا، فإن تعريف وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي لنفسه بأنه “صديق إسرائيل” وزيارته لفلسطين المحتلة بعد توليه منصبه مباشرة، تأتي في سياق طبيعي، تماماً كما كان تراجع زعيم حزب العمال، كير ستارمر، عن تنفيذ تعهده بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد فوز حزبه في الانتخابات.
في واقع الأمر، يتساوى جميع المسؤولين البريطانيين في دعم “إسرائيل”، وتستمر حكومة حزب العمال الحالية في محاولات لإنقاذ “إسرائيل” من أزمتها الاقتصادية عن طريق متابعة محاولات الحكومة السابقة بتأمين اتفاقية تجارة حرة مع “إسرائيل”، متجاهلة إدانة نقابة العمال في بريطانيا للمفاوضات حول هذه الاتفاقية.
يصف “حزب العمال البريطاني” نفسه بـ “يسار الوسط” وأنه يعتمد مبادئ “الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية”، يبدو أن مسميات الأحزاب يجب أن تختلف بعد اليوم. وربما كان هذا الوصف أحد أسباب الغضب الشعبي على دور الحزب في دعم تل أبيب وعدم تغيير السياسية تجاه إسرائيل رغم كل الجرائم التي ترتكبها. يلحظ أنصار هذا الحزب أن وقوفه مع “إسرائيل” يؤثر على تطبيق الحزب لمبادئه ويُغير في أيديولوجيته التي يتبناها. وعليه فإن المطالب اليوم قد تتعدى الشعارات بوقف دعم “إسرائيل” ونصرة “الفلسطينيين”، وصولاً إلى إلزام حزب العمال بالانتماء إلى مبادئه اليسارية الاشتراكية ولو لمرة في تاريخه.