خمسون عاما على ملحمة تل الزعتر.. وخطة بن غوريون مستمرة


بقلم: د. فريد إسماعيل
خمسون عاما مرت على ملحمة مخيم تل الزعتر، المخيم الفلسطيني الذي كان يقع في الجزء الشرقي من بيروت والذي تقاطعت على أبوابه آنذاك احقاد اليمين اللبناني مع الاهداف الإسرائيلية والمصالح السورية، ليرتقي عرش الاستشهاد في 12 اب عام ١٩٧٦، خارجا من جغرافيا المنطقة ليدخل التاريخ بسجل تزين صفحاته هامات الكرامة والشرف والإباء رغم المذبحة الكبرى.
لم يكن مخيم تل الزعتر استثناء في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني، ولم يكن القضاء عليه ومحوه من الجغرافيا منفصلا عن الاستراتيجية الإسرائيلية التي يشكل فيها محو المخيمات ركنا اساسيا. فمنذ خمسينيات القرن الماضي وضع بن غوريون وقيادات إسرائيلية خطة عرفت باسم” خطة تفكيك المخيمات”، هدفها طمس قضية اللاجئين ومنع المخيمات من أن تصبح شاهدا على النكبة ورمزا سياسيا وطنيا ومركزا للمقاومة الوطنية والشعبية، وبذلك بقيت المخيمات الفلسطينية هدفا استراتيجيا لإسرائيل، من لبنان إلى غزة والضفة الغربية، لأن دولة الاحتلال تدرك بأن المخيمات تمثل ذاكرة النكبة وبوصلة حق العودة وليست مجرد جغرافيا تضيق بقاطنيها.
تل الزعتر لم يكن أول المخيمات التي تعرضت للمحو من الخارطة بعد أن دفع أهله أغلى الأثمان دفاعا عن قضيتهم ووجودهم، فقد سبقه في دفع ضريبة الدم والوجود مخيم النبطية في الجنوب اللبناني حيث قامت إسرائيل في 16 أيار عام ١٩٧٤ باستهدافه بغارات جوية متتالية أدت إلى تدميره بالكامل وارتقاء قافلة كبيرة من ابناءه من الاطفال والنساء والشيوخ شهداء، وقافلة أكبر من الجرحى، بررتها دولة الاحتلال كرد انتقامي على عملية معالوت الي أدت الى مقتل أكثر من عشرين إسرائيليا. لكن الحقيقة أن الهدف الاساس كان محاولة إبادة جماعية حيث ذكر وقتها بيان للهلال الأحمر الفلسطيني أن القصف أدى الى استشهاد أكثر من خمسين مدنيا جلهم من الاطفال والنساء، وأن الطائرات الصهيونية ركزت هجماتها تحديدا على المدنيين بهدف الإبادة. وقد استمرت عملية رفع الانقاض والبحث عن المفقودين أياما عديدة تبين بختامها أن عدد الشهداء تجاوز الأربعة وتسعين شهيدا، وبعد أن أنهت الجرافات عملها كان المخيم قد فقد كل معالمه بشكل كامل وتحول إلى أرض مقفرة. وما يعزز حقيقة أن تدميره لم يكن ردا على العملية الفدائية وإنما تنفيذا لنظرية بن غوريون، أن إسرائيل منعت إعادة بناءه وهددت بتدميره مرة أخرى إذا ما أعيد تشييده. هذا التهديد جعل وكالة الاونروا وجهات أخرى يتجنبون إعادة البناء، ليشكل هذا المخيم مثالا على التهجير القسري الممنهج الذي تعرض له أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان، والمستمرة اليوم فصوله في قطاع غزة والضفة الغربية. اما سكان المخيم البالغ عددهم آنذاك الخمسة آلاف ونيف، فقد أصبحت الأرض مساحتهم بعد أن ضاقت بهم السبل ولم يجدوا من يساندهم او يأويهم أو يدعمهم (وهذه للأسف حقيقة) ، فانتشروا في باقي المخيمات الفلسطينية وفي بعض البلدات على امتداد الأرض اللبنانية، ومنهم من غادر مع عائلته إلى خارج لبنان إلى حيث ساقته الأقدار.
بعد تدمير مخيم النبطية بشكل مباشر من دولة الاحتلال عبر طائراتها، اعتمدت إسرائيل في تدمير وازالة مخيمات أخرى في لبنان على حلفاءها من المليشيات اليمينية خلال الحرب الاهلية، حيث تم حصار وتدمير مخيمات جسر الباشا، ضبية، والكرنتينا. فمخيم جسر الباشا والذي كان معظم سكانه من المسيحيين الفلسطينيين، تعرض لمجزرة ارتكبها اليمين اللبناني عام ١٩٧٦ ذهب ضحكتها أكثر من ٢٠٠ شهيد بعد سقوطه بيد المهاجمين. اما المخيم الأكبر تل الزعتر والذي تقاطعت عنده مصالح اليمين اللبناني وسوريا وإسرائيل، فقد سقط فيه آلاف الشهداء والجرحى وعدد كبير جدا من المختطفين والمفقودين الذين لم يعرف مصيرهم حتى يومنا هذا، بعد حصار دام ٥٢ يوما صد فيه المدافعون عنه ٧٢ هجوما على مختلف المحاور تلقى خلالها أكثر من خمسة وخمسين ألف قذيفة متنوعة، وارتقى أكثر من ٤٠٠٠ شهيد وشهيدة نصفهم تقريبا أثناء الحصار والباقي يوم الخروج الكبير في ١٢ آب ١٩٧٦. فمع الحصار من كل الجهات، نفذ الدواء وشح الماء واختفى الخبز وأصبح الموت جزءا من تفاصيل أيام الحصار. ومع ذلك ظل أبناء شعبنا متمسكين بما بقي لهم من حياة، يقاتلون دفاعا عن وجودهم وكرامتهم وحقهم في ان يكون لهم غد كباقي الخلق. لم يكن الدفاع عن تل الزعتر دفاعا عن بضعة أمتار، بل عن فلسطين التي حملها اللاجئ في قلبه منذ النكبة، وعن مفتاح بيت لم يعد إليه، وعن حق العودة الذي اراد أن يورثه لأبنائه كحق لا يسقط بالتقادم.
هذه المجازر الدموية لم تثني إسرائيل عن مشروعها الهادف الى تدمير المخيمات والفتك بالشعب الفلسطيني. فمجزرة صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢ لم تكن مجرد حادثة في خضم حرب أهلية، بل جريمة إبادة جماعية ارتكبت في ظل الاحتلال الإسرائيلي لبيروت الذي حاصر المخيمات، اقام الحواجز لمنع الفرار، وأطلق القنابل المضيئة ليلا لتسهيل عمليات القتل، بينما كان على اطلاع كامل بالفظائع التي كانت ترتكب داخل هذه المخيمات، ويحمي المنفذين من مليشيا القوات اللبنانية التي كانت تحت قيادة ايلي حبيقة آنذاك وبمشاركة ما كان يسمى بجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد وقوات موالية أخرى. وعلى مدى أكثر من ٤٣ ساعة كانت ترتكب أكثر الجرائم فظاعة داخل صبرا وشاتيلا من قتل جماعي واغتصاب وبقر للبطون وتدمير للمنازل، والمجرم شارون يراقب بمنظاره ما يحدث من احدى الشرفات المطلة منتشيا. وحتى اليوم لا زال من الصعب حصر عدد الضحايا بدقة لكنه يتراوح بين ٣٥٠٠ و٤٠٠٠ ضحية استنادا الى معظم المصادر. وقد اقرت لجنة كاهان الإسرائيلية عام ١٩٨٣ بأن الجيش الإسرائيلي كان على علم بالمجزرة ولم يمنعها، وحملت وزير الدفاع شارون المسؤولية الغير مباشرة واوصت بإقالته. كما أن لجنة دولية برئاسة شون ماكبرايد اعتبرت المجزرة شكلا من أشكال الابادة الجماعية، وأكدت مسؤولية إسرائيل باعتبارها القوة المحتلة. وقد كان قدر صبرا وشاتيلا أن يتعرضا مرة أخرى بعد سنوات إلى حصار جديد وقتل ودمار شبه كامل ولكن هذه المرة على يد (الاخوة) بما سمي بحرب المخيمات التي طالت أيضا مخيمات الجنوب اللبناني وبشكل خاص مخيمات منطقة صور.
منذ النكبة وحتى يومنا هذا لم تتوقف إسرائيل عن استهداف المخيمات، وما حصل في غزة ويحصل اليوم في مخيمات الضفة في جنين وطولكرم ونور شمس وغيرها يثبت ان المعركة هي على الهوية والحق. فمنذ خطة بن غوريون في الخمسينيات الى جرائم نتنياهو اليوم، الهدف إلغاء المخيمات وبالتالي الانتهاء من قضية اللاجئين في إطار هدف اوسع متمثل بإنهاء الوجود الفلسطيني والقضية الفلسطينية.
خمسون عاما على ملحمة الصمود في مخيم تل الزعتر والذاكرة لا تموت، والمخيمات التي ازيلت عن الخارطة يجب أن تبقى راسخة في ذاكرتنا وذاكرة الاجيال القادمة، لأن هناك اليوم من يريد أن يعيد إنتاج الرواية نفسها بوسائل مختلفة بالتحريض على اللاجئ الفلسطيني بتصويره عبئا وتحميله أزمات لم يصنعها، ومحو حقيقة انه شعب اقتلع من أرضه وما زال يدفع ثمن النكبة.