الأمية وأزمة القراءة في العالم العربي


بقلم: عائدة عم علي
لو تتبعنا مؤشرات القراءة في وطننا العربي لرأينا أنها لا تبشر بإيجاب من حيث المعطيات الرقميةً ومستويات الوعي اذ تشير أحدث الدراسات والابحاث المتخصصة الى ان نسبة الأمية في الدول العربية تزيد على 22 بالمائة مقارنة بـ 13.6 في المائة كمتوسط عالمي، اي أن عدد الأميين من سكان الوطن العربي عام 2015 يتجاوز 54 مليون أمي، وهو رقم مخيف إذا ما وضع في مخبر التحليل.
الواقع أن «الأمية» لا تزال تمثل واحدة من أولى قضايا الأمن القومي العربي، فعلى الرغم من انخفاس معدلاتها بشكل كبير منذ العام 1970 والتي قدرت ب 73 بالمائة انخفضت الى 38 بالمائة في عام 2000، إلا ان معدلها في البلدان العربية بحسب إحصاءات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو». قابلا للارتفاع في ظل الأوضاع التعليمية التي تعانيها بعض الدول العربية بسبب الأزمات والنزاعات المسلحة، والتي نتج عنها عدم التحاق قرابة 13.5 مليون طفل عربي بالتعليم النظامي بين متسربين وغير ملتحقين.
وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة الأمية لدى الذكور في الوطن العربي هي في حدود 14.6 في المئة، بينما ترتفع لدى الإناث إلى 25.9 في المئة، وتتراوح نسبة الأميات في عدد من ادول المنطقة بين 60 و80 في المئة. وعالميا تقدر الأمية بـ 773 مليون شخص من الشباب والكبار غير الملمين بمهارات القراءة والكتابة.
لكن الأمية ليست قضية فرد لا يقرأ ولا يكتب، وإنما مشكلة اقتصادية واجتماعية ووطنية من حيث اثارها ونتائجها وانعكاساتها على عملية التنمية الى جانب انها بؤرة الفقر والجنوح والتطرف بكل اشكاله ومظاهره ومع ان تعريف الأمية لم يعد كما كان سابقا وهو عدم القدرة على القراءة والكتابة بلغة ما، حيث دخل في التعريف عند كثير من الشعوب الامية الثقافية والإلكترونية وغيرها ما يعني ان الرقم المشار اليه بالنسبة للعرب سيتحرك كثيراً إذا ما توسعنا في تعريف من هو الأمي.
وهنا تبين الدراسة المشار اليها أن حصة الفرد العربي من القراءة في السنة الواحدة لا تزيد على ساعات قليلة وأن الدول العربية من اقل دول العالم طباعة وإصداراً للكتب. حيث يبلغ نصيب كل مليون مواطن اقل من ثلاثين كتاباً وتتسع الفجوة الرقمية أكثر عند الحديث عن اقتناء الحواسيب فالمتوسط العالمي عند الدراسة هو 80 حاسوباً لكل ألف شخص بينما هي في وطننا العربي 18 حاسوبا لكل ألف شخص، وتشير الدراسات الى أن عشر العلماء العرب يهاجرون خارج بلدانهم بحثاً عن بيئة عمل أفضل.
ان تحليل تلك الظاهرة الخطيرة وخاصة “الأمية المجتمعية”، التي تعد مرضاً خطيراً ومدمراً للمجتمع لأنها تغيب الوعي بحقيقة الهوية والمجتمع ما يجعلنا نقف عند اسبابها وطرق معالجتها
وفي مقدمتها الفقر والحاجة وما يستجره من أمراض اجتماعية واقتصادية وسلوكية وتوعوية حيث يتركز جهد الفرد والاسرة على تأمين سبل العيش وأولويات الحياة من طعام وشراب وصحة وملبس، وإذا وضعنا مسألة الفقر جانباً نجد أسباباً اخرى منها ارتفاع اسعار الكتب بالقياس لمستويات الدخل وتكاليف الطباعة وعدم جودة المنتج حيث اغلب القراء من ذوي الدخل المحدود.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة التي تقوم بها الحكومات العربية بمشاركة المجتمع المدني في مجال محو الأمية وتعليم الكبار، إلا أن أعداد ونسب الأمية ما زالت غير مرضية، كما انها تزداد تفاقما بسبب حالات الطوارئ الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة وتفشي الجهل و سيطرة العصبيات الطائفية والقبلية والتخلف الاجتماعي في بعض الدول العربية ما أدى الى اعاقة مسارات التنمية المختلفة، كما انها تجعل من مواطني هذه الدول أكبر عرضة للتحول نحو العنف والإرهاب، وكافة المشكلات الاجتماعية الأخرى .وخصوصا أن بناء الإنسان الجديد يعتمد كلياً على نشر الوعي والمعرفة ومحاربة الجهل والكسل الفكري.
في حين يرى بعض الاختصاصيين ان ثمة صورة قاتمة ترسمها الإحصاءات العالمية عن الأمية في العالم، فتشير إلى أن واحدا من كل خمسة أشخاص على الأرض أمي بالفعل، وأن ثلثي الأميين هم من النساء، كما أن درجة هذا الخطر ترتبط بمفهوم كل مجتمع حول الأمية، فيرى كثير من الناس أن وجود نسبة معينة من الأمية هو أمر مفروغ منه وطبيعي ولا يشكل هاجسا لدول العالم.
لا شك أن ظاهرة ضعف وقلة عدد القراء في البلدان العربية تتطلب جهداً جماعياً تشارك فيه المؤسسات ولاسيما الثقافية والتربوية من خلال المناهج المدرسية ووسائل الاعلام حيث يتم التركيز في المدارس على حصص المطالعة الحرة والهادفة وتزويد المكتبات المدرسية بأفضل الكتب العلمية والادبية والتاريخية وكتب القصة والشعر والمسرح والفنون تلك التي تساهم في تفتيح العقول وتربية الذائقة وحب العلم والمعرفة والاطلاع , والى جانب تلك المؤسسات يأتي دور المؤسسات الاعلامية واتحادات الكتاب والناشرين بحيث يتم التركيز على ثقافة القراءة والمكتبات المتنقلة ومعارض الكتب في الحواضر والارياف لتوطين ثقافة القراءة حيث يعرف الانسان بوصفه كائناً مثقفا” اخذا” في الاعتبار أهمية القراءة والمتابعة.