“نقص المخزونات الصاروخية”.. حين يتحول التفوق العسكري إلى مأزق صناعي!


بقلم: خليل حمد
لا تُخاض الحروب بلا أثمان مطلقاً، سواء للطرف الأقوى أم “الأضعف”، رغم أن المسميات المطلقة هنا ليست دقيقة بالكامل في ظل تعدد أشكال الحروب واختلاف مستويات خوضها. أحد الأثمان التي بدأت الولايات المتحدة تكتشفها عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي “استنزاف الترسانة الأمريكية”، ليس في المنطقة، بل على مستوى السلاح الأمريكي في العالم.
فالحرب بالنسبة لقوة عسكرية بحجم الولايات المتحدة، لا تُقاس فقط بما تنفقه من أموال أو ما تخسره من جنود ومعدات، وإنما أيضاً بما تستهلكه من ذخائر يصعب تعويضها بسرعة. وهنا تبرز الصواريخ بوصفها واحدة من أكثر حلقات القوة العسكرية الأمريكية حساسية: أسلحة عالية الكلفة والتعقيد، تتطلب خطوط إنتاج متخصصة وسلاسل توريد لا يمكن توسيعها بين ليلة وضحاها. وهنا يبرز السؤال المتعلق ليس بـ جودة السلاح الأمريكي، بل في القدرة على إنتاج كميات كافية منه في حرب استنزاف طويلة.
النقص الحالي في مخزونات الصواريخ أجبر وزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون” على سحب ذخائر وسفن وطائرات ووحدات دفاع جوي من أوروبا وآسيا إلى شرق المتوسط، والمنطقتان اللتان تم سحب الصواريخ منهما تعتبران كلمة السر فيما تسميه واشنطن والغرب “ردع الصين وروسيا”. الأزمة إذاً أعمق من حدث عابر، بل هي ناقوس خطر حقيقي يكشف عن فجوة بين معدل الاستهلاك وسرعة التصنيع لتعويض الفاقد، مع الإشارة إلى أن تحليلاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS” في أيار/ مايو 2026، اعتبر أن إعادة بعض أنواع الأسلحة الرئيسية إلى مستويات مخزونات ما قبل الحرب على إيران قد تستغرق سنوات، وليس أشهرا.
تراقب روسيا والصين هذا المشهد المعقد الذي تعيشه الصناعات الصاروخية في الولايات المتحدة حالياً، من بوابة “نقاط الضعف” التي قد يفتحها هذا الموضوع إذا ما استمر لسنوات كما هو متوقع. فهذا النقص ليس عادياً في ظل تقديرات حديثة تشير إلى أن واشنطن استهلكت نحو 65% من مخزون صواريخ “باتريوت” خلال الحرب، و38% من صواريخ “ثاد”، فيما استُخدم ما يقارب نصف مخزون “توماهوك” العالمي، فضلاً عن الاستهلاك الكبير للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تأخير تسليم أسلحة إلى عدد من عملائها في أوروبا وآسيا.
بالنسبة لروسيا، في الأمر عصفوران في آن معاً، الأول الأكثر آنيةً لموسكو يتعلق بانخفاض توريدات صواريخ الدفاع الجوي التي تسلمتها أوكرانيا من حلفائها في هذا العام إلى الثلث مقارنة بالعام 2025، الثاني يتعلق بـ “نقطة الضعف” التي تعني بشكل واضح “ثغرة زمنية في الجاهزية الأمريكية وجاهزية الحلفاء” أمام أي مواجهة محتملة مع روسيا. ذلك لأن الأسلحة التي تم سحبها استُهلكت، وتحتاج سنوات لإعادة تعويضها. لا يعني ذلك أن موسكو ستبدأ حرباً ضد الولايات المتحدة أو أي من حلفائها، خصوصاً أنها لا تزال تخوض حربها في أوكرانيا دون حسم، لكنه يعني، على الأقل، أن كلفة أي مواجهة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها قد تكون أعلى مما كانت عليه قبل الحرب على إيران، وهو ما يفتح أمام موسكو هامشاً جديداً للمناورة والضغط.
وبالحديث عن روسيا، أثبتت قدرة موسكو على التعاطي الصناعي مع الحرب في أوكرانيا أن هناك عاملاً استراتيجياً مهماً يشكل اختلافاً جوهرياً في القدرات بينها وبين واشنطن، ففي حين تستطيع أميركا إنتاج صاروخ متقدم ، لكنها لا تستطيع إنتاجه، في بعض الحالات، بالسرعة الكافية لتعويض ما تستهلكه منه الحروب، فإن موسكو تستطيع تحويل الصناعة إلى نمط إنتاج حربي واسع عندما تصبح الحرب أولوية و تشير مثلاً دراسة لـ RUSI إلى أن إنتاج صاروخ “خا-101” ارتفع من 56 صاروخاً في العام 2021 إلى نحو 420 صاروخاً سنوياً في 2023.
الأمر بالنسبة لبكين مختلف، فإذا كانت روسيا تمثل نموذج “اقتصاد الحرب”، فإن الصين تمثل ما هو مختلف وأكثر أهمية على المدى الطويل: “القاعدة الصناعية الضخمة”. لا تحتاج الصين إلى تحويل اقتصادها بالكامل إلى اقتصاد حرب كي تمتلك قدرة الإنتاج الهائلة، فهي تمتلك أساساً قاعدة صناعية وتجارية عملاقة، وسلاسل توريد واسعة مكنتها من بناء ترسانة صاروخية ضخمة، خصوصاً بعيدة المدى والبالستية والمضادة للسفن.
تشير الدراسات إلى أن الصين لديها القدرة على بناء السفن مثلاً تبلغ نحو 230 ضعف القدرة الأمريكية. لا يعني ذلك أنها تصنع الصواريخ أسرع بهذا المعدل، لكنه مؤشر مهم على الفارق الكبير في القدرات التصنيعية.
“نقطة الضعف” أو “ثغرة القوة” بالنسبة لواشنطن هنا تتعلق باحتمال اندلاع أي مواجهة بشأن تايوان في المدى القريب، لأنها ستتطلب من الولايات المتحدة استهلاك أعداد هائلة من الصواريخ الاعتراضية الصواريخ بعيدة المدى، وهو ما قد لا تمتلكه واشنطن حالياً، وهذا من شأنه أن يحول الحرب من مسابقة تكنولوجية إلى مسابقة صناعية، لأن المعادلة هنا لا تتعلق بجودة السلاح فقط –على أهمية وجودة السلاح الصيني– بل بقدرة الدولة على إنتاج السلاح الجيد بأعداد كافية لتغطية الاستهلاك في وقت الحروب.
هذا يقودنا إلى أيضاً إلى استنتاج لا يمكن الجزم به حول طبيعة المراقبة الروسية والصينية للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما إذا كانت موسكو وبكين قد رأتا في استمرارها فرصة لاستنزاف جزء من القوة الصاروخية الأمريكية، خصوصاً مع مشاهدة أسلحة إيرانية منخفضة الكلفة نسبياً تدخل في مواجهة مع منظمات أمريكية باهظة الثمن وتفرض عليها استهلاك كميات كبيرة من الذخائر الاعتراضية.
لا يعني كل ما سبق أن الولايات المتحدة فقدت موقعها على الساحة العالمية بوصفها “القوة العظمى”، بل يعني ذلك أن ثمن التفوق السهل انتهى، وأن الحفاظ على هذا التقدم يصبح مكلفاً أكثر يوماً بعد يوم. ورغم النفي الأمريكي العلني لخطورة الأزمة، فإن وجودها لا يبدو قالاً للتجاهل، بدليل تسريبات من البيت الأبيض تتحدث عن غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الأمر وطلبه توضيحات جدية من البنتاغون.
في الخلاصة، عندما استخدمت الولايات المتحدة قنبلتيها النوويتَين ضد هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت تمتلك احتكاراً مؤقتاً لهذا النوع من السلاح، وكان بإمكانها نظرياً التعامل مع استخدامه بوصفه حدثاً استثنائياً لا يتكرر على وتيره الاستخدام التقليدي للذخائر، وأنها تمتلك الوقت الكافي لإعادة تصنيعه. اليوم يختلف الوضع مع أسلحة تشكل العمود الفقري لأي حرب وتمتلكها وتستخدمها العديد من الدول، ناهيك عن أن الاستنزاف في مخزونها جاء في حروب “جانبية” وليس في مواجهة كبرى مع ندٍّ استراتيجي كروسيا والصين. وعليه فإن سؤال القوة العظمى اليوم لا يتعلق بـ “من لديه أقوى جيش؟”، بل بـ “من يستطيع الحفاظ على أقوى جيش عندما تتحول الحرب إلى صراع طويل الأمد؟”.