أقلام وآراء

بعد الخروج من بيروت عام ١٩٨٢.. هل ربح لبنان أم خسر؟

 

 بقلم: د. فريد إسماعيل

أيام قليلة مضت على الذكرى الرابعة والأربعين لخروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت بعد اجتياح إسرائيلي للبنان وصل الى محاصرة عاصمته حيث وقف مقاتلو ثورتنا وقوى الحركة الوطنية اللبنانية الحليفة سدا أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الذين فرضوا حصارا بريا وبحريا وجويا على بيروت الغربية بعد قطع المياه والكهرباء والوقود والغذاء عن المدنيين، بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وبنيتها، وإعادة تشكيل الواقع السياسي في المنطقة لصالح إسرائيل. ولأكثر من عشرة اسابيع لم تتمكن إسرائيل من اختراق خطوط المدافعين عن بيروت الذين تشبثوا بمواقعهم كالصخر النابت في الأرض، إلى أن انتهى الحصار باتفاق تحت رعاية دولية قادتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر مبعوثها فيليب حبيب ، أفضى الى الخروج من بيروت إنقاذا للعاصمة من الدمار وبعد مشاورات مع الحلفاء في الحركة الوطنية اللبنانية، والتوجه بشكل أساسي الى تونس والتوزع على عدة دول مثل اليمن والسودان والعراق وغيرها تحت إشراف قوات متعددة الجنسيات مع تقديم الولايات المتحدة ضمانات مكتوبة لحماية المدنيين الفلسطينيين في المخيمات والمدنيين اللبنانيين في بيروت الغربية. ضمانات لم تمنع إسرائيل وحلفاءها من ارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها الآلاف.

وقد حمل خروج قوات منظمة التحرير من بيروت ارتدادات لم تكن في حسبان معظم القوى، إذ أنه أدى الى زعزعة التوازن الطائفي والسياسي في لبنان، وخلق فراغا أمنيا وسياسيا تصارع فيه الجميع لصياغة موازين القوى في ظل الواقع الجديد. ومن أخطر افرازاته أن الصراع الذي كان يأخذ طابعا ايديولوجيا وسياسيا ( يمين ضد يسار، وعروبة ضد انعزال رغم عمقه الطائفي) تحول بعد الخروج إلى فرز طائفي ومذهبي حاد ومباشر، تحولت معه المناطق الى كانتونات طائفية صافية تحكمها قوى وميليشيات الامر الواقع. فقد مثل الاجتياح وخروج قوات منظمة التحرير التحول الأبرز في تاريخ لبنان الحديث، إذ أنه قبل ذلك الحدث لم تكن خطوط التماس في الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام ١٩٧٥ طائفية بحتة بالمعنى الضيق، بل كانت تخاض تحت شعارات سياسية وفكرية كبرى انقسم حولها اللبنانيون الى جبهتين رئيسيتين: محور اليسار والعروبة الذي تمثل بالحركة الوطنية اللبنانية المدعومة من المقاومة الفلسطينية، والذي ضم احزابا علمانية ويسارية وقومية، وتميز بتركيبته العابرة للطوائف حيث انخرط فيه شبان ومثقفون من المسلمين والمسيحيين يجمعهم هدف مشترك قائم على علمنة النظام السياسي، تفعيل الديمقراطية، وتأكيد هوية لبنان العربية ودعمه للقضية الفلسطينية.

أما محور اليمين والانعزال (الجبهة اللبنانية) فقد تزعمته أحزاب مسيحية رئيسية ركزت ادبياتها على الخصوصية اللبنانية ورفض ذوبان لبنان في المحيط العربي، وكان صراعها موجها للدفاع عما يسمونه المارونية السياسية والامتيازات الدستورية الممنوحة لهم في نظام ما قبل الحرب ومنذ زمن الانتداب الفرنسي. وفي تلك الحقبة كانت الهوية السياسية تتقدم على الهوية المذهبية، فالشيوعي المسيحي والشيوعي المسلم كما القومي والناصري والماركسي كانوا يقاتلون في ذات الخندق. وقد جاء الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ ليدمر هذه البيئة الايديولوجية من خلال تبدل قوتين رئيسيتين وهما خروج قوات

منظمة التحرير التي كانت تشكل العمود الفقري والداعم العسكري والمادي لمحور اليسار والعروبة. كما ان الانكفاء السريع للاحزاب اليسارية والعلمانية بعد فقدان غطاءها الاقليمي والعسكري وتعرض كوادرها للاغتيال والملاحقة، شكل فراغا ملأته القوى المحلية ذات الصبغة الطائفية والمذهبية الصافية والتي كان لها مصلحة في إضعاف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي كانت تقاتل العدو في مناطق الاحتلال. سقطت الشعارات الايديولوجية وتغيرت طبيعة محرك الصراع وادواته، وارتد الشارع اللبناني نحو ملاذاته الأولية المتمثلة بالطائفة والمذهب، فتحول الصراع من” رؤية لشكل الوطن “الى صراع غريزي على الوجود والحصص. وبذلك أنهى اجتياح ١٩٨٢ لبنان التناقضات الفكرية والمنابر الثقافية والصراعات الايديولوجية الكبرى ليولد لبنان الكانتونات المذهبية والمحاصصة الطائفية، ولم تعد الحرب من أجل تغيير هوية النظام او تثبيتها، بل صراعا لتوزيع المغانم بين ملوك الطوائف، وهو الواقع الذي لا زال يلقي بظلاله على السياسة اللبنانية حتى اليوم.

ان ما حصل بعد الاجتياح وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من صراعات بين الطوائف ومواجهات دموية داخل الطائفة الواحدة وبين اجنحتها المختلفة، يسقط وبشكل قاطع سرديات بعض القوى اللبنانية التي تحمل الجانب الفلسطيني مسؤولية أحداث لبنان المختلفة. فعندما قام تحالف حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي عام ١٩٨٥ بتصفية حركة المرابطون (حركة الناصريين المستقلين) ، وهي الحركة التي كانت تشكل القوة السنية الأكبر، لم يكن هناك اي تواجد عسكري لأي فصيل فلسطيني، وإنما جاءت التصفية بتعليمات من النظام السوري الذي كان يسعى لاحكام قبضته المطلقة على بيروت الغربية وتصفية أي قوى كانت قريبة من منظمة التحرير، ما مهد الطريق بعدها لشن حرب ضد الوجود الفلسطيني في بيروت ومناطق أخرى بما عرف ب” حرب المخيمات “. كذلك فإن المواجهات الدامية التي اندلعت داخل الطائفة الواحدة بين حركة أمل وحزب الله بين عامي ١٩٨٨ و١٩٩٠ ” حرب الأخوة “، جاءت نتيجة الصراع على النفوذ والزعامة داخل الطائفة وبغطاء خارجي حيث دعمت سوريا غالبا حركة أمل بينما تلقى حزب الله دعما واسنادا من إيران، ولم يكن للعامل الفلسطيني أي شأن بذلك.

معارك فرض النفوذ داخل الصف الطائفي الواحد لم تقتصر على المجتمع الشيعي، فقد اندلعت معارك عنيفة ودموية داخل الصف المسيحي أدت الى دمار هائل وسقوط اعداد كبيرة من الضحايا بما عرف بحرب الالغاء بين فئة من الجيش اللبناني كانت تابعة آنذاك للعماد ميشال عون وميليشيا القوات اللبنانية في كانون الثاني عام ١٩٩٠ نتج عنها هجرة أكثر من ٢٠٠ الف مسيحي خارج البلاد.

كل تلك الحروب داخل وبين الطوائف كان الفلسطيني بعيدا عنها، يلملم جراحه وينشد الأمان. ورغم ذلك لا زالت بعض القوى والأصوات في لبنان تختلق سرديات بغيضة لتحميل الفلسطيني الجانب الأكبر من التاريخ المر، لتبرير الذات والانقضاض على اي مسعى يمكن اللاجىء الفلسطيني في لبنان من الحصول على بعضا من حقوقه المدنية والإنسانية. وفي مقارنة بسيطة للوضع الاقتصادي والمالي للبنان قبل الخروج وبعده، يضاف إليه الانتقال من الحالة الوطنية إلى الطائفية الخالصة وما نتج عنها، تصبح الاجابة واضحة على سؤال: هل ربح لبنان ام خسر!!.

اما الخروج من بيروت عام ١٩٨٢ رغم وجعه، لم يكن نهاية المطاف، بل بداية مسار جديد في الطريق نحو فلسطين الوطن والدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى