أقلام وآراء

الانتخابات الإسرائيلية: هل ينجح نتنياهو بهندسة تحالفات طارئة لإنقاذ ائتلافه؟

 

 

 بقلم: عائدة عم علي

بينما توثق استطلاعات الرأي العامة تراجعا متسارعاً في شعبية ورصيد معسكره اليميني، واحتمال قوي لفقدان الأغلبية الحالية في الكنيست. يخوض رئيس وزراء الاحتلال “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو أشرس معركة انتخابية في مسيرته فخسارتها بالنسبة أكبر من فقدان الكرسي او صراع سياسي بين معارضة وموالاة، كونها تعني انهياراً للمظلة التشريعية والقضائية التي تحميه من استكمال محاكمته بتهم الفساد والهروب من تبعات التحقيق والمحاسبة على الإخفاق الاستراتيجي في السابع من أكتوبر.

ولتعويض هذا التراجع، يعتمد نتنياهو على استراتيجية مزدوجة ترتكز على إطلاق يد المستوطنين وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية لفرض وقائع ضمّ فعلية، مستهدفاً شدّ عصب قاعدته اليمينية المتطرفة وتجنّب تسرّب الأصوات لأحزاب منافسة، ولهذا يصعد نتنياهو على كافة الجبهات وهو الذي يعتبر المسألة الأمنية من أهمّ أدوات الصراع على السلطة، ويحاول إقناع الناخب ” الإسرائيلي” بأنه الأقدَر على إدارة الحروب، وأنّ أيّ تغيّر في القيادة في مثل هذه الظروف يحمل مخاطر كبيرة.

ولكن الأهمّ بالنسبة لنتنياهو التصعيد الميداني في الضفة وإطلاق يد المستوطنين والتصعيد الوحشي ضدّ الفلسطينيين، وضدّ فلسطينيّي الداخل لاعتبارات عقائدية وانتخابية تضمَن تماسك كتلة أقصى اليمين معه وتساعده على الفوز بالانتخابات التي يحتاج فيها إلى أصوات المستوطنين الذين يوظفهم لشن اعتداءات تمهّد إلى عملية عسكرية تكون السبب في فوزه بالانتخابات أو في تأجيلها. وهذه العملية قد تبدأ باحتلال مخيم جديد في الضفة بعد أن جرى إعادة احتلال ثلاثة من أصل 19 مخيماً، وفي ظلّ تصاعد التوتر وعمليات الاستيطان تبقى مسألة إجراء الانتخابات”الإسرائيلية” مفتوحة على عدة احتمالات وسيناريوات: منها الإلغاء أو التأجيل بسبب حدث أمني كبير، أو خروج نتنياهو من الحياة السياسية مقابل عفو قضائي عن تهم الفساد، أو قد يحدث انقلاب داخل حزب الليكود يطيح بنتنياهو ويستحضر قيادات جديدة من داخله، وقد يبقى نتنياهو إلى النهاية ويخسر دون أن يعترف بالنتائج.

وفي الوقت الذي يجد في استمرار الحرب وسيلة لتأجيل أزماته السياسية والقضائية والحفاظ على موقعه في السلطة، وبعدما تحوّلت العزلة التي تسبّبت بها حكومة نتنياهو لـ” إسرائيل” إلى مفردة في السجال السياسي الانتخابي، تزداد صعوبة المشهد أمام نتنياهو مع اقتراب إغلاق القوائم وفشل محاولاته حتى الآن في جمع كل مكونات اليمين ضمن صيغة تمنع ضياع الأصوات تحت نسبة الحسم، حيث وضع الاستطلاع الأحدث معسكر نتنياهو عند 47 مقعداً فقط، مقابل 57 للمعارضة الصهيونيّة، فيما تمنح قائمة محتملة ليوعاز هندل ويارون زليخا أربعة مقاعد يمكن، إذا انضمّت إلى المعسكرالمناوئ لنتنياهو، أن ترفع رصيده إلى 61 مقعداً وتمنحه أغلبية  دون الحاجة إلى أصوات الأحزاب العربيّة.

وفي قلب هذه الصورة يواصل غادي آيزنكوت تقدّمه، بينما يتراجع الليكود إلى حدود العشرين مقعداً، وتتحوّل مشكلة نتنياهو من مجرد تراجع حزبه إلى احتمال فقدان معسكره القدرة الحسابية على تشكيل الحكومة.

على الجانب المقابل، يستثمر غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب “يَشار”، هذا التخبّط العارم عبر تقديم خطاب عقلاني ومؤسّسي يستميل الطبقة الوسطى والفئات المتضرّرة اقتصاديا ونفسياً.اذ تشير أحدث مؤشرات المعاهد الإسرائيلية (مثل “معاريف” وقنوات محلية) إلى تصدّر حزب “يَشار” للمشهد الانتخابي حاصداً ما بين 24 إلى 25 مقعداً، ومتجاوزاً حزب “الليكود” الذي تراجع في حدود 19 إلى 22 مقعداً، فضلاً عن تفوق آيزنكوت الواضح على نتنياهو في مؤشرات الملاءمة الشخصية لرئاسة الحكومة (بنسبة تجاوزت 43 إلى 48 بالمائة مقابل نحو 34 إلى 37 بالمائة لنتنياهو).

لكن خريطة التحالفات المعقدة تظهر أنّ المعارضة بقيادة آيزنكوت تواجه معضلة بنيوية تتمثل في صعوبة حسم الأغلبية المطلقة (61 مقعداً) بمعزل عن الدعم الضمني أو الشراكة مع الأحزاب العربية في الكنيست، وهو خيار يواجه بحساسية مفرطة من ناخبي الوسط واليمين المعارض. وفي المقابل، فإنّ استمرار تآكل معسكر اليمين وتشتت أصواته لصالح أحزاب صغيرة جديدة يضيق هامش مناورة نتنياهو إلى حدّ كبير.

ولهذا وفي محاولة للهروب للأمام، يراهن نتنياهو طويلاً على إطالة أمد الحروب المفتوحة في قطاع غزة وجنوب لبنان كطوق نجاة لإبقاء حالة الطوارئ معطلة لأيّ استحقاق انتخابي مبكر. غير أنّ المعطيات الميدانية والسياسية تؤكد أنّ هذه السياسات باتت تثير تكلفة عكسية وإنهاكاً حاداً…فرغم أنّ إطالة أمد التصعيد وفتح الجبهات (في غزة وجنوب لبنان) منحت نتنياهو مؤقتاً مظلة طوارئ ابعدت النقاشعن إخفاقات السابع من  أكتوبر، إلا أنّ التأثير الميداني والسياسي لهذه الاستراتيجيات بات ينعكس سلبياً على رصيده لعدة أسباب جوهرية من أهمها إنهاك الطبقة الوسطى واستمرار استدعاء جنود الاحتياط وتكبّد الاقتصاد خسائر باهظة وشلل القطاعات التجارية والسياحية ما جعل قطاعات واسعة من دافعي الضرائب والطبقة الوسطى يشعرون أنّ استمرار الحرب مرتبط بالحسابات الشخصية لنتنياهو وحلفائه المتطرفين وليس بالأمن القومي.

تآكل الإجماع حول الجبهات اذ أن غياب ” النصر الحاسم” وتحوّل المعارك على الجبهات المختلفة إلى حرب استنزاف بلا أفق سياسي أفقد استمرار الحروب بريقها الانتخابي.

وعليه، تشير الآفاق القريبة إلى أنّ كيان الاحتلال يتجه نحو مخاض سياسي وعسكري قاسي؛ فإما أن ينجح نتنياهو في اللحظات الأخيرة بهندسة تحالفات طارئة لإنقاذ ائتلافه وإبقاءالجبهات ملتهبة، وإما أن يقود ضغط الشارع والطبقة الوسطى وسخط الاحتياط إلى إحداث تغيير جذري يطيح بحقبة نتنياهو ويفتح الباب أمام تسويات مغايرة تعيد صياغة المشهد الأمني والسياسي برمّته.

زر الذهاب إلى الأعلى